فهرس الكتاب
و لهذه العقلية الخبيثة والفكر الأسود نتجت الصورة المعروفة التي اشتهر بها الخوارج قديمًا وحديثًاو تعتبر نتيجة عملية طبيعية لتفاعلات هذا الفكر الضال ألا وهي مفارقة جماعة المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم, يقول شيخ الإسلام:"ولكن الخوارج دينهم المعظَّم مفارقة جماعة المسلِمين وَاستِحلال دمائهم" [1] .
إن هذه الخصلة هي التي تمكن العوام من كشف هذه البدعة رغم التدليس والغش والكذب والبهتان والشعارات البراقة الخداعة فلا يمكن أن تخفى هذه البدعة ..
فلئن خدعني حسن منطقك فلن يخدعني خبث فعلك, لذا فإن هذين الأصلين قد يظهر أحدهما لبعض أهل العلم، وقد يتخلف لبعضهم، وقد يتبرأون من مذهب الخوارج ظاهريا، ويزعمون أن هذه الصفات ليست فيهم، لكن هذا كله لا يؤثر في الحكم عليهم؛ فإن ظهر أصل واحد كفى بالحكم عليهم به بالمروق وهذه قاعدة السلف دارجة ماضية في ذلك.
قال الأوزاعي رحمه الله كما في الإبانة (2/ 479) :"من ستر علينا بدعته لم تخف علينا أُلفته"، وكان محمد بن عبيد الله الغلابي، يقول:"كان يقال: يتكاتم أهل الأهواء كل شيء إلا التآلف والصحبة".. قال الأوزاعي:"يُعرف الرجل في ثلاثة مواطن: بألفته، ويعرف في مجلسه، ويعرف في منطقه".
وفي الإبانة (2/ 476) عن معاذ بن معاذ؛ قال: قلت ليحيى بن سعد:"يا أبا سعيد الرجل وإن كتم رأيه لم يخف ذاك في ابنه ولا صديقه ولا جليسه"وقال الإمام البربهاري في شرح السنة:"وإذا ظهر لك من إنسان شيء من البدع فاحذره فإن الذي أخفى عنك أكثر مما أظهر".
إن هذه الشرذمة فارقت جماعة المسلمين وعلماء الأمة واستحلت دماءهم وأموالهم وأفعالهم واضحة مستفيضة مشهورة لا تخفى على ذي عقل, قتلهم وفتكهم وإجرامهم ومفخخاتهم التي أصبحت منهجًا فيهم واستهانتهم بدماء المسلمين وتجويزهم القتل لمصلحة الجماعة , بل وصل الإجرام الى درجة كبيرة لا تذكرك إلا بأفعال القرامطة والحشاشين.
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (13/ 35) :"وَلَكِنَّ الشِّيعَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ جَمَاعَةٌ وَلَا إمَامٌ وَلَا دَارٌ وَلَا سَيْفٌ يُقَاتِلُونَ بِهِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا لِلْخَوَارِجِ تَمَيَّزُوا بِالْإِمَامِ وَالْجَمَاعَةِ وَالدَّارِ وَسَمَّوْا دَارَهُمْ دَارَ الْهِجْرَةِ وَجَعَلُوا دَارَ الْمُسْلِمِينَ دَارَ كُفْرٍ وَحَرْبٍ. وَكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ تَطْعَنُ بَلْ تُكَفِّرُ وُلَاةَ الْمُسْلِمِينَ وَجُمْهُورُ الْخَوَارِجِ يُكَفِّرُونَ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَمَنْ تَوَلَّاهُمَا وَالرَّافِضَةُ يَلْعَنُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمَنْ تَوَلَّاهُمْ وَلَكِنَّ الْفَسَادَ الظَّاهِرَ كَانَ فِي الْخَوَارِجِ: مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَأَخْذِ"
(1) مجموع الفتاوى (13/ 209)