الصفحة 24 من 42

إن التاريخ يعيد نفسه؛ فلقد وصف قتلة عثمان من الخوارج أوصافًا تنطبق تماما على جماعة الدولة فقد وُصفوا -أي قتلة عثمان-: بالغوغاء من أهل الأمصار، ونُزَّاع القبائل، وأهل المياه، وعبيد المدينة، وبأنهم ذؤبان العرب، وأنهم حثالة الناس ومتفقون على الشر، وسفهاء عديمو الفقه, وأراذل من أوباش القبائل، وأنهم أهل جفاء وهمج، ورعاع من غوغاء القبائل، وسفلة الأطراف الأراذل، وأنهم آلة الشيطان, ولقد كان من هؤلاء من وقع عليه حد أو تعزير لأمر ارتكبه في وسط الدولة، عاقبه الخليفة أو ولاته في بعض الأمصار وبالذات البصرة والكوفة ومصر والمدينة، فاستغل الحاقدون من يهود ونصارى وفرس وأصحاب الجرائم مجموعات من الناس، ممن لا يفقهون هذا الدين على حقيقته, فتكونت لهؤلاء جميعا طائفة وصفت من جميع من قابلهم بأنهم أصحاب شر، و هذا ما ينطبق تمامًا على جماعة الدولة؛ فهم خليط من أناس معروفين بالإجرام والتشبيح والإحداث والطموح للسلطة وأحقاد شخصية وعشائرية تلاقت مصالحهم وشكلوا هذه الجماعة المذكورة.

لقد جاء في الحديث أنهم: (يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) [1] ، وقد ترجم له النسائي بقوله:"باب من شهر سيفه ثم وضعه في الناس".

وقد يتعجب المرء من هذا الأمر ولكن العلماء بينوا سبب ذلك فقد قال ابن حجر:"إن الخوارج لما حكموا بكفر من خالفهم استباحوا دماءهم وتركوا أهل الذمة فقالوا: نفي لهم بعهدهم وتركوا قتال المشركين, واشتغلوا بقتال المسلمين, وهذا كله من آثار عبادة الجُهال, الذي لم تنشرح صدورهم بنور العلم, ولم يتمسكوا بحبل وثيق منه, وكفى أن رأسهم رد على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمره ونسبه إلى الجور" [2] .

و هذا ما يتحقق الآن تماما ً فحربهم على الفصائل من جبهة النصرة والجبهة الإسلامية وغيرها بحجة أنهم مرتدون وصحوات وقتالهم مقدم على النصيرين, وها هي حمص قد سلمت وحلب تكاد، والدير محاصرة, فسلمت منهم مناطق النصيرية وتجمعات النظام، ولم تسلم منهم مناطق أهل السنة, وسبحان الله تحقق فيهم كذلك ترك أهل الذمة فأعطوا النصارى الذمة -ذمة أمير المؤمنين البغدادي! - وأخذوا يعاملوهم بكل احترام, بل استفاض عنهم أن المارين على حواجزهم ممن عليه علامات الالتزام يدقق عليه ويوقف، ومن كان حليقًا يغض النظر عنه وهذا يذكرك

(1) أخرجه البخاري (3344) و (4667) ، ومسلم (1064) (143) وأبو داود (4764)

والنسائي في"المجتبى"5/ 87 - 88، وفي"الكبرى" (11221) ، والبيهقي في"دلائل النبوة"6/ 426 - 427 أخرجه سعيد بن منصور في"السنن" (2903) وغيرهم.

(2) في فتح الباري (12/ 301) .:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت