فهرس الكتاب

الصفحة 1014 من 3166

وجلَّ، ولهذا لم يرتب الله سبحانه عليها من العقوبات والأحكام ما رتبه على الشرك.

واستقرت الشريعة على أنه يعفى عن النجاسة المخففة كبول الصبي الرضيع، والنجاسة في محل الاستجمار ما لا يعفى عن المغلظة.

وكذلك يعفى عن صغائر الذنوب ما لا يعفى عن الكبائر، ويعفى لأهل التوحيد المحض الذي لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك.

فلو لقي المسلم الموحد الذي لم يشرك بالله شيئًا البتة ربه بقراب الأرض خطايا أتاه ربه بقرابها مغفرة.

ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده وشابه بالشرك، فالتوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب، فإنه يتضمن من محبة الله وتعظيمه وإجلاله، وخوفه ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب ولو كانت قراب الأرض، فالنجاسة عارضة، والدافع لها قوي فلا تثبت معه.

ولكن نجاسة الزنا وفاحشة قوم لوط أغلظ من غيرهما من النجاسات من جهة أنها تضعف القلب وتفسده وتضعف توحيده جدًا.

ولهذا كان أحظى الناس بهذه النجاسة أكثرهم شركًا.

فكلما كان الشرك في العبد أغلب كانت هذه النجاسة والخبائث فيه أكثر، وكلما كان أعظم إخلاصًا كان منها أبعد كما قال الله تعالى عن يوسف: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) } [يوسف: 24] .

وليس في الذنوب أفسد للقلب والدين من هاتين الفاحشتين، ولهما خاصية في تعبيد القلب لغير الله، فإنهما من أعظم الخبائث، وكلما ازداد القلب خبثًا ازداد من الله بعدًا.

ولما كانت هذه حال الزنا كان قرينًا للشرك في كتاب الله كما قال سبحانه: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) } [النور: 3] .

والله سبحانه سمى الزناة والزواني خبيثين وخبيثات، وجنس هذا الفعل فد شرعت فيه الطهارة وإن كان حلالًا، وسمى فاعله جنبًا لبعده عن الصلاة حتى يتطهر بالماء.

فكذلك إذا كان حرامًا يبعد القلب عن الله تعالى وعن الدار الآخرة، بل يحول بينه وبين الإيمان حتى يحدث طهرًا كاملًا بالتوبة، وطهرًا لبدنه بالماء.

فالعاصي إنما ينقم على أهل الطاعة تجريدهم الطاعة وتركهم المعصية كما حكى الله عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت