فهرس الكتاب

الصفحة 490 من 3166

بالتوبة .. فجاءت إليهم العافية من كل ناحية.

وتزينت قلوبهم بالإيمان، وتجملت بالتقوى، وتحلت جوارحهم بالطاعات، ورضي عنهم ربهم، وصاروا أئمة في الخير.

ولما سلم لآدم أصل العبودية لم يقدح فيه الذنب، وحين علم اللطيف الخبير أن ذنب عبده لم يكن قصدًا لمخالفته، ولا قدحًا في حكمته، علمه كيف يعتذر إليه: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) } [البقرة: 37] .

فآدم صلى الله عليه وسلم لم يرد بمعصيته مخالفة سيده، ولا الجرأة على محارمه، ولكنها غلبات الطبع، وتزيين النفس والشيطان، فألهمه الله التوبة، وقبلها منه.

وفي خلق آدم من الطين سر عجيب، فالطين مركب من أصلين:

الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي .. والتراب الذي جعله الله خزانة المنافع والنعم.

وفي ذلك إشارة إلى أن هذا الإنسان يحمل الهدى الذي به حياة العالم، ويحمل الدين الذي كله منافع.

ومن كرامة الله لآدم أن خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وجميع المخلوقات خلقها الله بأمره، فقال لها: كوني فكانت.

ومن كرامته له كذلك أن أسجد له ملائكته، وعلمه الأسماء كلها دون غيره من الملائكة، ثم جعل فيه الاستعداد للترقي حتى يصبح كالملائكة، أو الهبوط حتى يكون أسفل من الحيوان فيقضي حياته على طريقة الحيوان، من أكل وشرب ولهو ولعب.

والله تبارك وتعالى عزيز حكيم، ما خلق ذرة في الكون عبثًا.

وقيمة الإنسان ومكانته بين المخلوقات عظيمة .. فمكانته بين السموات والأرض .. كمكانة القلب من الجسم، وبقاء المخلوقات مرهون بوجود الإنسان .. وكما أن القلب إذا فقد هلك البدن .. فكذلك الإنسان إذا فقد أنهى الله هذا الكون وطواه.

وقد خلق الله جميع المخلوقات، وجعل لكل مخلوق مقصدًا، وأشرف المخلوقات مقصدًا هو الإنسان، وهو من المخلوقات بمنزلة القلب من البدن.

وقد شاء الله عزَّ وجلَّ أن يخلق آدم .. ويستخلفه في الأرض .. فأقدره على أشياء .. وأعجزه عن أشياء .. وعلمه أشياء .. وستر عنه أشياء. وقهره على أشياء .. وجعل له الخيار في أشياء .. وذلك ليستكمل مقومات الخلافة .. ولا ينسى أنه غير أصيل .. فله مرجع يعود

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت