فهرس الكتاب

الصفحة 541 من 3166

وبصيرته .. آثر ما يقتضي العقل إيثاره .. وزهد فيما يقتضي العقل الزهد فيه.

والله عزَّ وجلَّ خلق الدار الدنيا، وجعلها سكنًا للعباد، ومكانًا للعمل وامتثال أوامر الله، وهيأ للعباد فيها ما يحتاجونه من الطعام والشراب واللباس والمراكب، وسائر النعم والملاذ كما قال سبحانه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) } [البقرة: 29] .

وجعل سبحانه ما في الدنيا من المخلوقات والأحوال للاعتبار والتفكر، والاستدلال عليه بحسن التأمل والتذكر، ومعرفة عظمته وقدرته، وسعة علمه كما قال سبحانه: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12) } [الطلاق: 12] .

وبقاء العباد في هذه الدار إلى أجل مسمى لا يعلمه إلا الله، فإذا انقضت مدة السكن أجلاهم ربهم من الدار، ثم خربها لانتقال الساكن منها إلى غيرها.

فكور الشمس .. وفطر السماء .. ونثر الكواكب .. ودك الأرض .. وسير الجبال .. وعطل العشار .. وفجر البحار .. وبعثر ما في القبور كما قال سبحانه: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) } [الانفطار: 1 - 5] .

وفي تغير الأحوال، وإظهار تلك الأهوال، بيان لقدرة العزيز الجبار، بعد بيان العزة، وتكذيب لأهل الإلحاد بإتلاف معبوداتهم، وإظهار أن للعالم ربًا مدبرًا يتصرف في الكون كيف يشاء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

فكم لله من حكمة في هدم هذه الدار .. ودلالة على كمال قدرته وقوته .. وعظمة عزته وسلطانه.

فسبحان من انقادت المخلوقات بأسرها لقهره، وأذعنت لجبروته، وخضعت لمشيئته، وكلها بيده أصغر من الخردلة: {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37) } [الجاثية: 36، 37] .

والله عزَّ وجلَّ خلق الناس ليعبدوه، ولا يمكن لهم أن يعبدوه إلا إذا عرفوه. فيجب على كل إنسان أعطاه الله عقلًا يدرك به حقائق الأشياء أن يعرف:

ربه .. ونفسه .. ودنياه .. وآخرته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت