فهرس الكتاب

الصفحة 671 من 3166

يعصى في الأرض طرفة عين لم يعصَ، ولكن حكمته تأبى ذلك.

والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، يحسن إلى من أحسن إليه وإلى من أساء إليه، فالإحسان يطفئ نار العداوة والحسد والبغي.

وكلما زاد عدوك أذىً وشرًا وحسدًا وبغيًا ازددت إليه إحسانًا، وله نصيحة، وعليه شفقة.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لما ضربه المشركون حتى أدموه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ» متفق عليه [1] .

فقابل إساءتهم العظيمة إليه بأربع مقامات من الإحسان:

عفوه عنهم عن حقه .. استغفاره لهم .. اعتذاره عنهم بأنهم لا يعلمون .. استعطافه لهم بقوله قومي.

وكل إنسان له ذنوب بينه وبين ربه يخاف عواقبها، ويرجوه أن يعفو عنها، ويغفرها له.

ومع هذا لا يقتصر سبحانه على مجرد المسامحة والعفو حتى ينعم عليك ويكرمك، ويجلب إليك من المنافع والإحسان فوق ما تؤمله.

وإذا كان الإنسان يرجو هذا من ربه فما أجدره أن يعامل به خلقه ويقابل به إساءتهم، ليعامله الله هذه المعاملة.

فالجزاء من جنس العمل، فكما تعمل مع الناس في إساءتهم في حقك، يفعل الله معك في ذنوبك وإساءتك جزاءً وفاقًا.

فانتقم بعد ذلك أو أعف، وأحسن أو اترك، فكما تدين تدان.

ومن تصور هذا المعنى وشغل به فكره هان عليه الإحسان إلى من أساء إليه، هذا مع ما يحصل له بذلك من نصر الله ومعيته كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) } [النحل: 128] .

هذا مع ما يتعجله المحسن من ثناء الناس عليه، وكونهم معه على خصمه، فهو بهذا الإحسان قد استخدم عسكرًا لا يعرفهم ولا يعرفونه، ولا يريدون منه مالًا ولا طعامًا.

ولا بد للمحسن إلى عدوه وحاسده من إحدى حالتين:

الأولى: إما أن يملكه بإحسانه فيستعبده وينقاد له ويذل له ويبقى من أحب الناس إليه.

الثانية: وإما أن يفتت كبده ويقطع دابره إن أقام على إساءته له، فإنه يذيقه بإحسانه

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (3477) ، واللفظ له، ومسلم برقم (1792) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت