فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ولذلك لما سأل الكفار رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح أمره الله أن يجيبهم بأن الروح من أمر الله، اختص بعلمه دون سواه كما قال سبحانه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) } [الإسراء: 85] .
وليس في هذا حجر على العقل البشري أن يعمل، ولكن فيه توجيهًا لهذا العقل أن يعمل في حدوده ومجاله الذي يدركه.
فلا جدوى من الخبط في التيه، ومن إنفاق الطاقة فيما لا يملك العقل إدراكه، لأنه لا يملك وسائل إدراكه، فالعقل محدود، وإدراكه محدود.
والروح غيب من غيب الله لا يدركه سواه، وسر من أسراره، أودعه هذا المخلوق البشري، وكل ذي روح، وعلم الإنسان محدود بالنبة لعلم الله المطلق، بل علوم الإنسانية كلها التي علمها الله لا تساوي ذرة بالنسبة إلى علم الله.
وأسرار هذا الوجود أوسع من أن يحيط بها العقل البشري المحدود.
والإنسان عاجز ضعيف لا يدبر هذا الكون، فطاقاته ليست شاملة، وإنما وهب منها بقدر محيطه، وبقدر حاجته، ليقوم بالخلافة في الأرض.
ولقد أبدع الإنسان في هذه الأرض وفي هذه الحياة ما أبدع، ولكنه وقف حسيرًا أمام الروح، وأمام العقل، وأمام القلب، ذلك السر اللطيف المودع في الإنسان.
لا يدري ما هو .. ولا يدري كيف جاء .. ولا كيف يذهب .. ولا أين يكون، لا يدري عن ذلك شيء إلا ما أعلمه به العليم الخبير.
إن النفس البشرية خلق ضعيف لا تستطيع أن تعيش بلا مجهول مغيب تكل إليه ما لا تعرفه، وما لا تقدر عليه، فإذا لم تكل المجهول المغيب إلى الإيمان بعلام الغيوب وكلته إلى الأوهام والخرافات التي لا تقف عند حد، ولا تخضع لعقل.
والذين يهربون من الإيمان بالله، ويستنكفون أن يكلوا الغيب إليه، لأنهم قد انتهوا إلى حد من العلم لا يليق معه بزعمهم أن يركعوا ويركنوا إلى الدين.
هؤلاء الذين لا يؤمنون بالله ولا بدينه ولا بغيبه إنما يعاندون حقيقة الفطرة، وهي جوعتها إلى الإيمان، وعدم استغنائها عنه، وركونها إليه في تفسير كثير من حقائق هذا الكون التي لم يصل إليها علم البشر، وبعضه لن يصل إليه، لأنه أكبر من الطاقة البشرية، وخارج عن اختصاص الإنسان.