فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 3166

وزوده بالسمع والبصر والعقل .. ولم يكله في الاهتداء إلى عقله وحده .. ولا على الفطرة وحدها .. ولا على كثرة ما في الأنفس والآفاق من دلائل الهدى، وموجبات الإيمان.

بل اقتضت رحمة العزيز الرحيم ألا يكل إلى العقل البشري تبعة الهدى والضلال إلا بعد الرسالة والبيان، ولم يكل إليه بعد البيان والاهتداء وضع منهج الحياة، إنما وكل إليه تطبيق منهج الحياة، الذي قرره الله له، وأكرمه به، ثم ترك له ما وراء ذلك: {قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) } [الأعراف: 203] .

ومن رحمة الله سبحانه أنه أقام الدلائل الكونية في هذا الكون، والتي تدل على عظمة الخالق ووحدانيته، وقدرته وتدبيره، وملأ الفطرة بالأشواق إلى ربها، والاتصال ببارئها، والإذعان له، ووهبه السمع الذي يدرك به المسموعات، والبصر الذي يدرك به المرئيات، ووهبه العقل الذي يحصي به الشواهد، ولكن الله الكريم الرحمن مع هذا كله رحم العباد، وأعفى الناس من حجية الكون، وحجية العقل، وحجية الفطرة، ما لم يرسل إليهم الرسل، الذين يُعرِّفون الناس بربهم، وما ينبغي له، وليزنوا حياتهم بالحق الذي جاءوا به، وحينئذ إما أن يؤمنوا فينالوا الثواب، أو تسقط حجتهم ويستحقوا العقاب.

ومن رحمة الله بالبشرية وبره بهم أن تفضل عليهم بإرسال الرسل تترى، وهم يكذبون ويعاندون، ويشردون وينأون، ولكن الله حليم غفور، لا يؤاخذ الإنسان بأخطائه وخطاياه، ولا يحبس عنه بره وعطاياه، ولا يحرمه هداه، ثم لا يأخذه بالعقاب في الدنيا أو في الآخرة حتى تبلغه الرسل، فيعرض ويكفر، ويموت وهو كافر ويدرج للعقاب كما قال سبحانه: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) } [الإسراء: 15] .

فلا يمكن لعقل واحد أن يهتدي لمثل ما جاءت به الرسل، بل لا يمكن ذلك لعقول البشرية كلها، وكيف يهتدي العقل، ويستغني عن ربه، ويستغني عن هدايته ورسله ودينه وهو مخلوق محتاج إلى الهدى؟.

وقد علم الله أن العقل لا يُغني ما لم يتقوم بمنهج الله، ولذا لم يكتب عليه عقابًا إلا بعد الرسالة والبيان ثم الإعراض.

إن رحمة الله واسعة، وسعت كل شيء، وهي تتمثل في مظاهر كثيرة لا يحصيها العبد، ويعجز الإنسان عن مجرد ملاحقتها وتسجيلها، سواء في ذات نفسه وتكوينه وتكريمه بما أكرمه الله به .. أو بما سخر الله له من حوله ومن فوقه ومن تحته .. أو فيما أنعم به عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت