فهرس الكتاب

الصفحة 897 من 3166

ومثله إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم من الزكاة والغنيمة، لضعف قلوبهم عن قلوب الراسخين في الإيمان من أصحابه.

ومزاحه صلى الله عليه وسلم مع من كان يمزح معه من الأعراب والصبيان والنساء تطييبًا لقلوبهم، واستجلابًا لإيمانهم، وتفريحًا لهم.

فالنبي صلى الله عليه وسلم يبذل للنفوس من الأموال والمنافع، ما يتألفها به على الحق المأمور به، ويكون المبذول مما يلتذ به الآخذ ويحبه، لأن ذلك وسيلة إلى غيره.

ولا يفعل ذلك مع من لا يحتاج إليه كالمهاجرين والأنصار، بل يبذل لهم أنواعًا أخر من الإحسان إليهم والمنافع في دينهم ودنياهم، بتوجيه قلوبهم إلى مولاهم.

واللذات ثلاثة أقسام:

لذة جثمانية .. ولذة خيالية .. ولذة عقلية.

فاللذة الجثمانية لذة الأكل والشرب، والجماع والنوم، وهذه اللذة يشترك فيها الإنسان مع الحيوان البهيم، فليس كمال الإنسان بهذه اللذة، لمشاركة أنقص الحيوانات له فيها، ولأنها لو كانت كمالًا لكان أفضل الناس وأشرفهم وأكملهم أكثرهم أكلًا وشربًا وجماعًا ونومًا، ولو كانت كمالًا لكان نصيب رسل الله وأنبيائه وأوليائه منها في هذه الدار أكمل من نصيب أعدائه.

فلما كان الأمر بالضد تبين أنها ليست في نفسها كمالًا، وإنما تكون كمالًا إذا تضمنت إعانة على اللذة الدائمة العظمى.

وأما اللذة الوهمية الخيالية فلذة الرياسة، والتعاظم على الخلق، والفخر والاستطالة عليهم، وهذه وإن كان طلابها أشرف نفوسًا من طلاب اللذة الأولى، فإن آلامها وما توجبه من المضار والمفاسد أعظم من التذاذ النفس بها.

فإن صاحبها منتصب ومستعد لمعاداة كل من تعاظم وترأس عليه، واحتقار من دونه.

فهذه في الحقيقة ليست بلذة، وإن فرحت بها النفوس وسرت بحصولها.

وربما قيل أنه لا حقيقة للذة في الدنيا وإنما غايتها دفع آلام، كما يدفع ألم الجوع والعطش وألم الشهوة بالأكل والشرب والجماع، وألم الخمول وسقوط القدر عند الناس بالرياسة والجاه، لكن لا ريب أن اللذة أمر وجودي يستلزم دفع الألم بما بينهما من التضاد.

وأما اللذة العقلية الروحانية، فكلذة العلم والمعرفة، والاتصاف بصفات الكمال، من الكرم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت