فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 481

الباب الأول

فى ترجمة كلام ابن المقفع

لقد قرأت أن اسمه"كان عبد الله"وأباه اسمه"داذبه»، وكان من بين كبار كتّاب وعمّال"فارس"وكان على مذهب عبدة النار، وتصادف أن أحد الخلفاء ولّى أباه على عمل، فسعى الوشاة عليه فسجنه الخليفة، وأنزل به أنواع العقوبات حتى تقفعت يداه، فغلب على اسمه المقفع و"عبد الله بن المقفع"أسلم على يد"عيسى بن على"، وقيل إن سبب إسلامه أنه ذات يوم كان يمر أمام كتّاب وكان غلام يقرأ بصوت مرتفع قوله تعالى (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا* وَالْجِبالَ أَوْتادًا) (1) فوقف حتى أتم الغلام السورة، وقال: الحق إن هذا ليس كلام مخلوق، وجاء الخبر إلى «عيسى بن على» واستدعاه فأقر وأسلم، وقال البعض: إنه لم يسلم على يد أحد قط، وكان لبالغ فضله وبلاغته رفيع الدرجات مقبول الشهادة في بلاط الخلفاء والملوك، ويروى أنه وقعت بينه وبين"الخليل بن أحمد الفراهيدى"مودة وصداقة فلم يكن لهما ثالث قط حتى سأله أحد أكابر العلماء ماذا ترى في حقهما؟ قال: العقل راجح على العلم عند الخليل، والعلم زايد على العقل عند ابن المقفع ويقال: إن أمره علم به الخليفة في النهاية وأنه ذات يوم كان يمر ببيت نار المجوس وقال في حقه هذا البيت:"

يا بيت عاتكة الذى أتغزل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكل (2)

(1) سورة النبأ، الآيتان (6، 7) .

(2) ورد هذا البيت للشاعر الأموى"الأخوص"الذى يسمى بأبى عبد الله بن محمد وقد ردده"ابن المقفع"حينما مر ببيت نار بعد إسلامه فكان سببا في اتهامه بالزندقة، وكثر عليه التشنيع بعد موته، وقد انقسم الناس في أمره بين شيعة له وناع عليه، فقد زعم المؤرخون أن ابن المقفع كان ينتحل في أول أمره نحلة أبيه وهى المجوسية، فلما كانت دولة بنى العباس على يديه، فطلب إليه عيسى أن يغدو عليه بين القواد ورؤساء الأجناد ليكون إسلامه مشهورا ثم حضر معه المائدة في المساء فجعل يأكل ويزمزم على عادة المجوس، فلما كلمه عيسى في ذلك قال: كرهت أن أبيت على غير دين، ثم غدا إليه فأعلن إسلامه وتسمى عبد الله واكتنى أبا محمد.

(عبد الله بن المقفع، «كليلة ودمنة» ، تحقيق محمد حسن نائل المرصفى، ط الخامسة القاهرة 1934، ص 52، 53) المترجم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت