من له ذهن ثاقب (1) .
وقد أجاز ابن عميرة خلال إقامته ببجاية بعض طلبتها، كما استجاز لنفسه وولديه على سبيل التبرك بعض علمائها، وشارك في المجالس العلمية التي كانت تنعقد بمنزل صديقه ابن محرز البلنسي شيخ الجماعة الأندلسية يومئذ، وكان يحضرها أقطاب الأندلسيين وفي مقدمتهم ابن الأبار وابن الجنان وابن سيد الناس وغيرهم. ولم يتوقف ابن عميرة عن نشاطه الأدبي في هذه المدينة حيث كاتب العديد من أصدقائه (2) .
انتقل ابن عميرة من بجاية إلى مدينة تونس حيث مال إلى صحبة الصالحين بها والزهاد أهل الخير برهة من الزمان، ثم نزع عن ذلك (3) . وقد تغلبت عليه رغبته في خدمة الملوك فقنع بوظيفة القضاء في الأقاليم، فتقلده في الأربس وفي قسنطينة ثم في قابس حيث طالت مدته. واستدعاه الأمير الحفصي المستنصر بالله محمد بن أبي زكرياء (647 ـ 675 ه) وصار من خواص الحاضرين بمجلس حضرته ومن فقهاء دولته. واستطاع ابن عميرة أن ينعم في هذه الفترة الأخيرة من عمره بالحياة السعيدة التي كان ينشدها في ظل الأمير الحفصي، سيما وأن تونس كانت تعيش يومئذ عصرها الذهبي من مختلف الوجوه. وظل ابن عميرة بالمنزلة الرفيعة من الدولة الحفصية والمكانة العالية عند أهل العلم والأدب إلى حين وفاته بتونس في 20 من شهر ذي الحجة سنة 658 ه (4) .
(1) الغبريني أبو العباس، عنوان الدراية، تحقيق رابح بونار، الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1981، ص 253.
(2) ابن شريفة محمد، المرجع السابق، ص 149.
(3) ابن عبد الملك المراكشي، المصدر السابق، ج 1، ص 179.
(4) ابن عبد الملك المراكشي، المصدر السابق، ج 1، ص 180.