ولما أنزله معه، وجد عند يحيى بن إبراهيم تسع نسوة، فسأله ابن ياسين عنهن، فقال: هنَّ زوجاتي؛ فقال له الفقيه: هذا شيء لايجوز في دين الإسلام، وإنما يجوز لك أربع، ففارق خمسًا؛ فأجابه بالسمع والطاعة وفارقهن، ثم قال له: إن جميع الرؤساء من كدالة ولمتونة مثل حالي؛ فأنذرهم وعرفهم حكم الله، فخرج الفقيه عبد الله بن ياسين ويحيى معه وجميع الرؤساء فقال لهم: بلغني أنكم تتزوجون بما شئتم من النساء حتى إن الشخص منكم يجمع بين العشرة وليس هذا من السنة؛ وإنما السنة والإسلام أن يجمع الرجل بين أربع نسوة حرائر؛ وله سعة فيما شاء من ملك اليمين؛ ثم جعل يعلمهم الدين ويبين لهم شرائع السنة [1] ،"وجعل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وكبحهم عن كثير من مألوفاتهم الفاسدة، وشدَّد في ذلك. فاطَّرحوه واستعصبوا علمه، وتركوا الأخذ عنه لما جشمهم من مشاق التكليف" [2]
"فقالوا أما ما ذكرت من الصلاة والزكاة فهو قريب وأما قولك من قتل يُقتل ومن سرق يُقطع ومن زنا يُجلد أو يُرجم فأمر لا نلتزمه اذهب إلى غيرنا" [3] ، فعزلوه من الرأي والمشورة، وقطعوا منه مالهم، وانتهبوا داره وهدموها، وأخذوا ما كان فيها، وخرج عبد الله بن ياسين منهم خائفًا منهم [4] .
قد تبين لنا كيف استقبلت القبائل قدوم عبد الله بن ياسين فبدأ دعوته المباركة لكن سرعان ما أجهضوها، لأنهم لا يستطيعون التخلي أبدًا عن قتل النفس فدل على أن القوم يعشقون سفك الدماء بالباطل فتلك عادتهم فأين حقوق النفس عند هؤلاء؟، كما أنهم لم يتقبلوا قطع يد السارق فدل على أن السرقة كانت ديدنهم فأين حقوق التملك عند هؤلاء؟، وكذلك لم يتقبلوا جلد الزاني فدل على أنهم كانوا يتخبطون في الشهوات بغير حق وهتك الأعراض، فأين حقوق المرأة عند هؤلاء؟، وأي حياة كان يعيشها هؤلاء الهمجيون الرافضون لشريعة خالق كل شيء؟!.
وبما أن الجهل كان منتشرًا في القبائل والمرء عدو لما يجهل، فلا بد أن يلقى عبد الله بن ياسين، معارضة للانعتاق من النظام والالتزام بالواجبات الشرعية، التي يؤكد عليها وهذا ليس
(1) روض القرطاس ج 2 ص: 11 - 12.
(2) الاستقصا ج: 2 ص: 165
(3) الكامل ج: 8 ص: 328
(4) البيان المغرب ج:4 ص 9