فهرس الكتاب
وقد اقتصرت في هذه المرحلة على ثلاثة مواقف لأشهر أمراء المرابطين: بدءا بيحيى بن عمر وغزوه سجلماسة [1] ، وأبي بكر بن عمر وفتحه برغواطة، ويوسف بن تاشفين وغزوه للصليبيين في معركة الزلاقة.
وركزت على هذه المواقف الثلاثة لأهميتها في تثبيت دعائم الدولة المرابطية بالصحراء والمغرب والأندلس.
1 -الموقف الأول: دفع بغي الأمير مسعود بن وانُّودين بسجلماسة [2] ... على يد أمير الحق [3] يحيى بن عمر ابن تكلاكين اللمتوني:
-القيادة المزدوجة في بداية الدولة المرابطية:
بعدما توفي يحيى بن إبراهيم الكدالي عزم عبد الله بن ياسين على تقديم رجل يقوم بأمر المرابطين في حربهم وجهادهم لعدوهم. [4]
فبما أن لقبيلة لمتونة شدة وجلد، إذ كانوا يختارون الموت على الانهزام ولا يحفظ لهم فرار من زحف وكان قتالهم على النجب أكثر من الخيل وأكثرهم مترجلون على أقدامهم صفوفًا صفًا بعد صف [5] ، وكانت أكثر القبائل طاعة لله تعالى ودينا وصلاحًا، فإنك تجد عبد الله بن ياسين يكرمهم ويقدمهم على غيرهم وخير دليل على ذلك توليته ليحيى بن عمر اللمتوني، وعبد الله بن ياسين هو الأمير على الحقيقة لأنه هو الذي يأمر وينهى ويعطي ويمنع، فكان يحيى بن عمر يتولى النظر في أمر الحرب، وعبد الله بن ياسين ينظر في أمر الدين وأحكام الشرع، ويأخذ الزكوات والأعشار [6] .
-سقوط دولة بني مدرار بسجلماسة وفساد الحكم بها بعدهم:
انقرضت دولة بني مدرار المكناسيين أصحاب سجلماسة على يد خزرون بن فلفل بن خزر المغراوي حين زحف إلى سجلماسة سنة 366 هـ، وقتل صاحبها أبا محمد المعتز بالله - آخر ملوك بني مدرار الصفرية - واستولى على بلده وذخيرته، وبعث برأسه إلى قرطبة، واستمر خزرون واليا على سجلماسة إلى أن هلك. وولى بعده ابنه مسعود بن وانُّودين.
فنال أهل سجلماسة من بني خزرون بن فلفل ما لا يتصور من الظلم والاستبداد حيث عدم الوازع وأخذوا يتصرفون في الرعايا بمقتضى أعراضهم وشهواتهم [7] .
-استجابة المرابطين لاستصراخ أهل سجلماسة وإنقاذهم من بغي أميرهم:
اجتمع فقهاء سجلماسة وفقهاء درعة [8] وصلحاؤهم سنة 447 هـ، فكتبوا إلى الفقيه عبد الله بن ياسين وإلى الأمير يحيى بن عمر وأشياخ المرابطين كتابًا يرغبون منهم الوصول لبلادهم ليطهروها مما هي فيه من المنكرات وشدة العسف والجور؛ وعرفوهم بما هم فيه بها أهل العلم والدين وسائر المسلمين من الذل والصغار والجور؛ مع أميرهم مسعود بن وانُّودين الزناتي المغراوي؛ فلما وصل الكتاب لعبد الله بن ياسين جمع رؤساء المرابطين وقرأ عليهم الكتاب وشاورهم في الأمر؛ فقالوا له: أيها الشيخ الفقيه هذا مما يلزمنا ويلزمك؛ فسر بنا على بركة الله تعالى؛ فأمرهم بالجهاد [9] .
(1) هي في الحقيقة قيادة مزدوجة يعني عبد بن ياسين ويحيى بن عمر، بحيث يمكن اعتبار الأول زعيما روحيا، والثاني قائدا لأركان الجيش برمته.
(2) سجلماسة: بكسر أوله وثانيه وسكون اللام وبعد الألف سين مهملة، مدينة في جنوبي المغرب في طرف بلاد السودان بينها وبين فاس عشرة أيام تلقاء الجنوب، وهي في منقطع جبل درن، وهي في وسط رمال كرمال زرود، ويتصل بها من شماليها جدد من الأرض يمر بها نهر كبير يخاض، قد غرسوا عليه بساتين ونخيلا، وأكثر أقوات أهل سجلماسة من التمر، وغلتهم قليلة، ولسنائهم يد صناع في غزل الصوف، وبين سجلماسة ودرعة أربعة أيام وأهل هذه المدينة من أغنى الناس وأكثرهم مالا لأنها على طريق من يريد غانة التي هي معدن الذهب ولأهلها جرأة على دخولها. أنظر"معجم البلدان ج: 3 ص: 192".
(3) كذا سماه عبد الله بن ياسين، أنظر"البيان المغرب"ج 4 ص 12
(4) الاستقصا ج 2 ص: 169
(5) البيان المغرب ج:4 ص: 11
(6) أنظر الاستقصا ج:2 ص: 169
(7) الاستقصا ج 2 ص: 171 بتصرف.
(8) درعة مدينة صغيرة بالمغرب من جنوب الغرب، بينها وبين سجلماسة أربعة فراسخ، ودرعة غربيها أكثر تجارها اليهود وأكثر ثمرتها القصب اليابس جدا ينسحق إذا دق، ينسب إليها أبو زيد نصر ابن علي بن محمد الدرعي ومنها أيضا أبو الحسن الدرعي الفقيه. أنظر (معجم البلدان ج: 2 ص: 451) .
(9) روض القرطاس ج:2 ص: 18 - 19