وهذه أمة هلكوا وضلُّوا *** وخابوا لاَ سُقوا ماءً معينًا
يقولون: النبي أبو غفير *** فأخزى الله أم الكاذبينا
سيعلم أهل تامسنا إذا ما *** أتوا يوم القيامة مهيمنينا
هناك يونس وبنوا أبيه *** يقودون البرابر مهطعينا
وكان لأبي غفير 44 زوجة، لأنهم يبيحون في ديانتهم الخسيسة أن يتزوج الرجل من النساء ما شاء، وهلك أواخر المائة الثالثة.
ثم ولى بعده ابنه أبو الأنصار عبد الله بن أبي غفير، فاقتفى سننه وتوفي سنة 341 هـ، وولى بعده ابنه أبا منصور عيسى بن أبي الأنصار فسار سيرة آبائه، وادعى النّبوة، واشتد أمره وعلا سلطانه، ودانت له قبائل المغرب [1] .
وهكذا إلى أن ولي أمر برغواطة أبو حفص عبد الله من ذرية أبي منصور، والكل من ذرية صالح بن طريف، فاستمر حاله كحال أسلافه على الضلالة والكفر.
فمن ديانتهم أنهم يطلقون ويراجعون ألف مرة في اليوم، ويحرم عندهم رأس كل حيوان؛ والدجاجة مكروه أكلها؛ ومن ذبح ديكًا أو أكله أعتق رقبةً؛ ويلحسون بصاق وُلاتهم تبركا به، كما وُضع لهم قرآن يقرءونه في صلاتهم ويتلونه في مساجدهم، ومن شك في شيء من ذلك منهم فهو كافر؛ والقرآن الذي شرع لهم ثمانون سورة؛ منها سورة آدم وسورة نوح وسورة أيوب وسورة بني إسرائيل وسورة الديك وسورة الجراد وسورة الجمل وسورة هاروت وماروت وسورة إبليس وسورة الحشر وسورة غرائب الدنيا؛ ولا غسل عليهم من الجنابة إلا من الحرام [2] ، إلى غير ذلك من أعاجيب ديانتهم وحمقها.
ومن حسن حظ شعب برغواطة، وسوء حظ آخر أمرائها- أبو حفص عبد الله - أن ملكه تزامن مع قيام الدولة المرابطية بقيادة أبي بكر بن عمر اللمتوني.
وصل الخبر إلى عبد الله بن ياسين فرأى أن الواجب تقديم جهادهم على جهاد غيرهم، فسار إليهم في جيوش المرابطين، فكانت بين ابن ياسين وأمير برغواطة ملاحم عظام، مات فيها من الفريقين خلق كثير وأصيب عبد الله بن ياسين فقضى بذلك نحبه، فاستشهد رحمه الله تعالى [3] .
ولعبد الله بن ياسين موقف عظيم سجله التاريخ إلى يومنا هذا، ويتجلى في الوصية التي قدَّمها لإخوانه المرابطين وهو على فراش الموت، وهي كالآتي:"يا معشر المرابطين إنكم في بلاد أعدائكم؛ وإني ميت في يومي هذا لا محالة؛ فإياكم أن تجبنوا أو تنازعوا فتفشلوا فتذهب ريحكم وكونوا ألفة وأعوانا على الحق وإخوانا في ذات الله تعالى؛ وإياكم والمخالفة والتحاسد على طلب الرياسة؛ فإن الله يوتي ملكه من يشاء من خلقه ويستخلف في أرضه من أحب من عباده؛ ولقد ذهبت عنكم؛ فانظروا من تقدمونه منكم يقوم بأمركم ويقود جيوشكم ويغزو عدوكم ويقسم بينكم فيئكم وياخذ زكاتكم واعشاركم" [4] .
يقول الدكتور حامد محمد خليفة معلقًا على ذلك:"من خلال هذه الوصية يتبين لنا أن ابن ياسين، كان مخلصًا في كل ما يدعوا إليه إلى حدّ الاستشهاد وبذل الدماء في سبيل مبادئه التي آمن بها، فلا يشغله عن بذل النصيحة لإخوانه ألم الجراح ولا نزيف الدّماء التي تجري من جسده ولا قعقعة السلاح من حوله، بل إن حرصه على إتمام رسالته والبذل في سبيلها يشغله حتى عن نفسه."
وعلى هذا المستوى من الإيمان الراسخ واليقين الثابت يسلم ابن ياسين الروح لبارئه؛ ليتحقق فيه قول الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ (( (( (( (( (( الْمَوْتِ} (آل عمران، الآية 185) " [5] "
فاتفق رأيهم على تقديم أمر الحرب لأبي بكر بن عمر اللمتوني؛ فقدمه عبد الله بن ياسين عليهم باتفاق من جميع أشياخ صنهاجة واجتماع منهم على ذلك؛ وتوفي عبد الله بن ياسين في عشي يومه ذلك؛ وذلك يوم الأحد 24 جمادى الأولى سنة 451 هـ [6]
وبعد وفاته قام أبوبكر بن عمر لقتال برغواطة حتى أخذ الثأر منهم [7] ،"فأثخن فيهم قتلا وسبيا حتى تفرقوا في المكامن والغياض، واستأصل شأفتهم، وأسلم الباقون إسلاما"
(1) أنظر الاستقصا ج:2 ص: 179 - 181، بتصرف.
(2) أنظر روض القرطاس ج 2 ص: 26
(3) أنظر الاستقصا ج:2 ص: 181 - 182، بتصرف.
(4) روض القرطاس ج:2 ص: 29 - 30
(5) انتصارات يوسف ابن تاشفين، ص: 38
(6) روض القرطاس ج: 2 ص: 30
(7) البيان المغرب ج: 4 ص: 17