فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 32

ألم عقابه حتى تمكن حبه من قلوبهم. فلم تمر عليه إلا مدة يسيرة حتى اجتمع له من التلامذة نحو ألف رجل." [1] "

وتستمر دعوة عبد الله بن ياسين الإيجابية خصوصًا لما اجتمع إليه من أشراف صنهاجة نحو ألف رجل، فسماهم المرابطين للزومهم رابطته. [2]

وإن من حكمة عبد الله بن ياسين أنه لم يكن متهورًا يلقي بنفسه إلى التهلكة بل انتظر حتى تفقه القوم ورسخ فيهم الدين"فقام فيهم خطيبا فوعظهم وشوقهم إلى الجنة، وخوفهم من النار، وأمرهم بتقوى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأخبرهم بما في ذلك من ثواب الله تعالى وعظيم جزائه" [3]

وهنا أشير إلى أنه من الضروري البدء بالإعداد الروحي والعقائدي، وعدم التسرع وإنْ توفرت المادة، لأن هذه الأخيرة لا تغني شيئا أمام فراغ روحي وعقائدي، فتأمل كلامي فسوف يتحقق فيما سيأتي بيانه:"ثم ندبهم إلى جهاد من خالفهم من قبائل صنهاجة وقال لهم:"معشر المرابطين، إنكم اليوم جمع كثير نحو ألف رجل! ولن يغلب ألف من قلة! وأنتم وجوه قبائلكم ورؤساء عشائركم، وقد أصلحكم الله تعالى، وهداكم إلى صراطه المستقيم، فوجب عليكم أن تشكروا نعمته عليكم، بأن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، وتجاهدوا في الله حق جهاده!"فقالوا له:"أيها الشيخ المبارك، مُرنا بما شئت تجدنا سامعين لك ومطيعين! ولو أمرتنا بقتل آباءنا لفعلنا! [4] "فقال لهم: اخرجوا على بركة الله، وأنذروا قومكم، وخوفوهم عقاب الله، وأبلغوهم حجته، فإن تابوا ورجعوا إلى الحق وأقلعوا عما هم عليه فخلوا سبيلهم؛ وإن أبوا من ذلك، وتمادوا في غيهم، ولجوا في طغيانهم، استعنا بالله تعالى عليهم، وجاهدناهم حتى يحكم الله بيننا؛ وهو خير الحاكمين." [5]

هنا تبدأ الدعوة الحقيقية الجماعية (دعوة الألف رجل) بعد أن كانت فردية [6] ،"فسار كل رجل منهم إلى قومه وعشيرته فوعظهم، وأنذرهم ودعاهم إلى الإقلاع عما هم بسبيله، فلم يرفعوا بذلك رأسا فخرج إليهم عبد الله بن ياسين بنفسه، وجمع أشياخ قبائلهم ووجوهها، وقرأ عليهم حجة الله ودعاهم إلى التوبة، ورغبهم في الجنة، وخوفهم من النار، وأقام ينذرهم سبعة أيام، وهم في ذلك كله لا يلتفتون إلى قوله! ولا يزدادون إلا فسادا! فلما يئس منهم قال لأصحابه:"قد أبلغنا في الحجة، وأنذرنا وأعذرنا، وقد وجب علينا الآن جهادهم، فاغزوهم على بركة الله"." [7]

يا له من منهج معتدل وسطيّ يبرهن أن عبد الله بن ياسين لم يكن يعشق سفك الدماء بل"كان يفضل جانب الدعوة والإصلاح لعودة المسلمين إلى الشرع الإسلامي في حياتهم، لكن إذا تمادوا في غَيِّهم ولَجُّوا في طغيانهم، حكَّم السيف حتى يسود الحق ويمحق الباطل" [8]

(1) الاستقصا ج: 2 ص: 165

(2) روض القرطاس ج 2 ص: 13

(3) الاستقصا ج:2، ص: 167

(4) هنا ثمار الدعوة الروحية والعقائدية، فقد آن لعبد الله بن ياسين أن يؤمر فيطاع ويقول فيسمع له، فانظروا إلى أي حدّ تمكنت دعوة الحق والنور والعدل في نفوس هذه الكوكبة، فإذا حصل الولاء التام لله ولرسوله حصلت الولاية والنصرة من الله"بل الله مولاكم وهو خير الناصرين" (آل عمران: 150) .

(5) روض القرطاس ج:2 ص: 14

(6) نتذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدأ الدعوة لوحده ولاقى من الصعاب ما لا يعد ولا يحصى، لكن وبفضل من الله عز وجل صارت الدعوة جماعية وتأسست الدولة الإسلامية بالمدينة ثم شرع الجهاد - بعد الدعوة -"وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (التوبة 40) . فتأمل الحدثين وتقاربهما.

(7) الاستقصا ج:2 ص: 167.

(8) "انتصارات يوسف بن تاشفين"ص:22

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت