حِزامٍ, أنَّ رجلًا قالَ: يا رَسُولَ اللهِ أَتُبْتَدَأُ الأعمالُ أَمْ قد قُضِيَ القضاءُ؟ فقالَ: (( إنَّ اللهَ لَمَّا أَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ثُمَّ أَفَاضَ بِهِمْ فِي كَفَّيْهِ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَهَؤُلَاءِ لِلنَّارِ. فَأَهْلُ الْجَنَّةِ مُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ مُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ) ).
وعن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ حَدَّثَنا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وهو الصادقُ المصدوقُ: (( إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً, ثُمَّ يَكُونَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ إِلَيْهِ مَلَكًا بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ, فَيَكْتُبُ عَمَلَهُ وَأَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ, ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ, فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا, وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا ) )مُتَّفَقٌ عليه.
وعن حذيفةَ بنِ أَسِيدٍ يَبْلُغُ به النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ فَيَكْتُبَانِ فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى فَيَكْتُبَانِ وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَثَرُهُ وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ ثُمَّ تُطْوَىَ الصُّحُفُ فَلَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ ) ). رواه مسلمٌ, وفي صحيحِ مسلمٍ, عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالَت: دُعِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى جِنازةِ صبيٍّ من الأنصارِ فقلت: طُوبَى له؛ عُصفورٌ من عصافيرِ الْجَنَّةِ لم يَعملْ السُّوءَ ولَمْ يُدرِكْه. فقالَ: (( أَوَ غَيْرُ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ, إنَّ اللهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا, وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ, وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا, وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ ) ).
وعن ابنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ ) )رواه مسلمٌ.
وعن قَتادةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في قولِه تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} سورةُ القَدْرِ الآيةُ 4 قالَ يَقْضِي فيها ما يكونُ في السنةِ إلى مِثلِها، رواه عبدُ الرزَّاقِ وابنُ جريرٍ, وقد رُوِيَ معنى ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ والحسَنِ وأبي عبدِ الرحمنِ السُّلَمِيِّ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ ومقاتِلٍ.
وعن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قالَ: إنَّ مما خَلَقَ اللهُ لَوْحًا محفوظًا من دُرَّةِ بيضاءَ, دَفَّتَاه من ياقوتةٍ حمراءَ, قَلَمُه نورٌ, وكتابُه نورٌ, عَرْضُه ما بينَ السماءِ والأرضِ يَنْظُرُ فيه كلَّ يومٍ ثلاثَمائةٍ وستين نَظرةً، ففي كلِّ نَظرةٍ منها يَخلُقُ ويَرزُقُ, ويُحْيِي ويُميتُ, ويُعِزُّ ويُذِلُّ, ويَفعلُ ما يشاءُ, فذلك قولُه: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} سورةُ الرحمنِ الآيةُ: 29 رواه عبدُ الرزَّاقِ, وابنُ المنذِرِ والطبرانيُّ والحاكمُ.
قالَ ابنُ القيِّمِ رَحِمَه اللهُ لَمَّا ذَكَرَ هذه الأحاديثَ وما في معناها, قالَ: فهذا تقديرٌ يوميٌّ, والذي قبلَه تقديرٌ حَوْلِيٌّ, والذي قبلَه تقديرٌ عُمُرِيٌّ عندَ تَعلُّقِ النفسِ به, والذي قبلَه كذلك عندَ أوَّلِ تَخليقِه وكونِه مُضغةً, والذي قبلَه تقديرٌ سابقٌ على وجودِه, لكن بعدَ خلْقِ السماواتِ والأرضِ, والذي قبلَه تقديرٌ سابقٌ عَلَى خَلْقِ السماواتِ والأرضِ بخمسين ألفَ سنةٍ, وكلُّ واحدٍ من هذه التقاديرِ كالتفصيلِ من التقديرِ السابقِ, وفي ذلك دليلٌ على كمالِ علْمِ الربِّ وقدرتِه وحِكمتِه وزيادةِ تعريفِه الملائكةَ وعِبَادَه المؤمنين بنفسِه وأسمائِه. ثم قالَ: فاتَّفَقَتْ هذه الأحاديثُ ونظائرُها على أنَّ القدَرَ السابقَ لا يَمنَعُ العملَ ولا يُوجِبُ الاتِّكالَ عليه بل يُوجبُ الجِدَّ والاجتهادَ ولهذا لما سَمِعَ بعضُ الصحابةِ ذلك قالَ: ما كنتُ بأَشَدَّ اجتهادًا مِنِّي. الآنَ وقالَ أبو