فهرس الكتاب

الصفحة 483 من 1188

شغبا ممن خالفه لأنه لا خلاف أن الأثقل فاعله أعظم أجرا وقد قال عليه السلام لعائشة في العمرة هي على قدر نصبك ونفقتك كانت الناسخة أعظم أجرا فلا يكون ذلك إلا لثقلها فهذه الآية عليهم لا لهم فسقط احتجاجهم بكل ما شغبوا به

ثم نقول إن من قال إن الله تعالى إنما يلزمنا أخف الأشياء فإنه يلزمه إسقاط الشرائع كلها لأنها كلها ثقال بالإضافة إلى ترك عملها والاقتصار على عمل جزء من كل عمل منها وهذا شيء يعلم بالحس والمشاهدة

فصار قول من خالفنا مؤديا إلى الخروج عن الإسلام جملة ولا عمل في الدنيا إلا وفيه كلفة ومشقة

وقد قال الشاعر هل الولد المحبوب إلا تعلة وهل خلوة الحسناء إلا أذى البعل وفي الأكل والشرب مشقة فلو أن الإنسان يصل إلى ذوق الطعوم المستطابة والشبع دون تكلف تناول ومضغ وبلع لكان أخف عليه وأقل مشقة وأيسر غررا فرب مختنق بأكله كان في ذلك حتفه أو الإشراف على الحتف

ورب متأذ بما يدخل من ذلك في جوفه وبما يدخل بين أضراسه ومغث لمعدته فيتقيأ فيألم لذلك ومن ملوث لثوبه بما يسقط من يده ولو تتبعنا ما في اللذات من عسر ومشقة لطال ذلك جدا فكيف بالأعمال المكلفة

ولكن العسر والمشقة تتفاضل فإنما رفع الله عز و جل عنا في بعض المواضع ما لا نطيق وخفف تعالى في بعضها تخفيفا أكثر من تخفيف آخر

وقد جاء في الأثر حفت الجنة بالمكاره فبطل بهذا الحديث نصا قول من قال إن الله تعالى لا ينسخ الأخف بالأثقل

وصح أن الله تعالى يفعل ما يشاء فينسخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف والشيء بمثله والشيء بإسقاطه جملة ويزيدنا شريعة من غير أن يخفف عنا أخرى لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل

فإن اعترضوا بقوله تعالى { لآن خفف لله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن لله ولله مع لصابرين } فهذه حجة عليهم بينة لا محيد عنها لأن التخفيف لا يكون إلا بعد تثقيل فإذا ثقل علينا تعالى أولا فما الذي يمنع من أن يثقل علينا آخرا إن شاء

وقد كنا برهة خالين من ذلك التثقيل الأول ثم ثقلنا به فما المانع من أن يعود علينا ثانية كما كان أولا وأن نزاد تثقيلا آخر أشد منه ويكفي من هذا كله وجودنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت