يعني: أنَّ (ما) النافيةَ و (لا) النافيةَ الْمُشَبَّهَتَان بليسَ، تَرفعانِ الاسمَ وتَنصِبانِ الخبَرَ مِثلَ عَمَلِ ليس، ولكنَّ (لا) لا تَعملُ إلا في الأسماءِ النَّكِرَةِ مثلِ قولِ الشاعرِ:
تَعَزَّ فلا شيءٌ على الأرضِ بَاقِيًا ... ولا وَزَرٌ مِمَّا قَضَى اللهُ وَافِيًا
فرَفَعَ (شيءٌ) وهو نَكِرَةٌ على أنه اسمٌ لها ونَصَبَ (باقيًا) وهو نَكِرَةٌ كذلك على أنه خبَرٌ لها.
وأَمَّا (ما) فإنها تَعملُ عَمَلَ ليس بأربعةِ شُروطٍ، وهي: كونُها لا تُزادُ بعدَها (أنْ) ؛ لأنها لا تُزادَ بعدَ (ليس) وما لا يُقْبَلُ في الْمُشَبَّهِ به فوُجودُه مع الْمُشَبَّهِ يُبْعِدُه عن الْمُشَبَّهِ به، والثاني: أن لا يُبْطَلَ النفيُ عن خَبَرِها، وإلا فلا تَعْمَلُ مثلَ: ما زَيْدٌ إلا كريمٌ، فخَبَرُها بَطَلَ عنه النفيُ فبَقِيَتْ هي بدونِ عَمَلٍ، وصارَتْ الجملةُ من مبتدأٍ وخَبَرٍ قَبْلَهما حرفُ نَفْيٍ, وبينَهما حرفُ حَصْرٍ، والشرطُ الثالثُ: لا يَتَقَدَّمُ خَبَرُها على اسْمِها فلا بُدَّ لصِحَّةِ عمَلِها من أن يكونَ اسْمُها قبلَ خَبَرِها مثلَ: ما زَيْدٌ لَئِيمًا، فلو قُدِّمَ الخَبَرُ على الاسمِ بَطَلَ عَمَلُها، والشرطُ الرابعُ: أن لا يَتَقَدَّمَ معمولُ خَبَرِها على اسْمِها، إلا إذا كان مَعمولُ خَبَرِها ظَرْفًا أو جارًّا أو مجرورًا، ثم قالَ الناظمُ:
15 -أحرُفُ نَصْبٍ للمُضارِعِ كأنْ ... ولن وكي ومع هذه إِذَنْ
16 -وجَزْمُه بكلماتٍ مِثْلِ لَمْ ... لَمَّا ولامِ الأمرِ ثم لا وثُمّ
17 -فِعْلَيْن إن مَهْمَا ومن كذاك ما ... أين متى أنَّى وأيٌّ حَيْثُمَا
18 -إذما ما إذا ما شَرْطُها مُقَدَّمُ ... وبعدَهُ الْجَزَا بذا قد جَزَمُوا
لقد كانَ الْمُصَنِّفُ في السابِقِ يَتَكَلَّمُ على عوامِلِ الأسماءِ السماعيَّةِ، والآنَ شَرَعَ يَتكلَّمُ على العواملِ التي تَعْمَلُ في الفعلِ الْمُضارِعِ، وبدأَ بعَوامِلِ نَصْبِه فذَكَرَ منها أربعةً، وهي (أن) بفَتْحِ الهمزةِ وسكونِ النونِ و (لن) و (كي) و (إذن) مثلَ: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} ولن يُفْلِحَ قومٌ وَلَّوْا أَمْرَهم امرأةً، {كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها} وما تَرَكَ من نواصِبِ الفعلِ المضارِعِ فهو فَرْعٌ عن الأربعةِ المذكورةِ، ومُشَبَّهٌ بها مِثْلُ لامِ كي، وفاءِ الجوابِ وواوِه والواوِ التي بِمَعْنَى حتى، فإنَّ كلَّ واحدٍ منها تُقَدَّرُ بعدَه (أنْ) مُسْتَتِرَةً.
وأمَّا جَوازِمُ الفعْلِ المضارِعِ فذَكَرَ منها خَمسةَ عشرَ، وهي: (لم ولَمَّا) التي لنَفْيِ الماضي, مِثلَ: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} و (لَمَّا) النفيُ بها يَسْتَغْرِقُ الماضِيَ كلَّه بخِلَافِ (لم) فإنك يُمْكِنُ أن تَقولَ: لم يَرتَكِبْ ذلك إلا في آخِرِ حياتِه، ولا يُمْكِنُ أن تَجْعَلَ مَحَلَّها (لَمَّا) لشِدَّةِ استغراقِ نَفْيِها لِمَا مَضَى إلى الحالِي، ولامُ الأَمْرِ مثلُ: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِه} ولا الناهيةُ مثلُ: {لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} ومثلُها (لا) للدُّعاءِ مِثلُ: {لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} والفَرْقُ بينَ (لا) التي للنهيِ والتي للدُّعاءِ هو كَونُ (لا) إذا كانتْ صادرةً من الأعلى لعَبْدِه أو مَن تَحتَه فهي نَهْيٌ، وإن كانت صادرةً من الأسفَلِ فهي دُعاءٌ, ومثلُها (لامُ الأمرِ) .
وهذه الجوازِمُ الأربعةُ حروفٌ، ومعها جازمان آخرانِ من الحروفِ وسَنُنَبِّهُ عليها بعدُ، وباقي الجوازمِ أسماءٌ، ثم إنَّ الجوازمَ التي سَبَقَتْ لا تَجْزِمُ إلا فِعْلًا واحدًا, أمَّا ما يأتي منها فإنه يَجْزِمُ فعلينِ، وهذا هو ما أشارَ له الناظِمُ بقولِه في آخِرِ البيتِ الثاني من الأبياتِ السابقةِ وأَوَّلِ الثالثِ إلى تَمامِ الرابعِ (ثم فعلينِ إن مَهْمَا ومَن) إلخ بمعنى أنَّ الجوازِمَ يُوجَدُ فيها ما يَجْزِمُ فِعلينِ مثلَ (إن)