الصفحة 144 من 217

في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان، والى الفرس عبدة النيران، ففتح الله ببركة سفارته البلاد، وأرغم أنفس كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد. وأنفق كنوزهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك رسول الإله.

وكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده، وولى عهده الفاروق الأواب، شهيد المحراب، أبى حفص عمر بن الخطاب، فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين، وقمع الطغاة والمنافقين، واستولى على الممالك شرقا وغربا. وحملت إليه خزائن الأموال من سائر الأقاليم بعدا وقربا. ففرقها على الوجه الشرعي، والسبيل المرضى.

ثم لما مات شهيدا وقد عاش حميدا، أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار، على خلافة أمير المؤمنين أبى عمرو عثمان بن عفان شهيد الدار. فكسا الإسلام بجلاله، رياسة حلة سابغة. وأمدت في سائر الأقاليم على رقاب العباد حجة الله البالغة، وظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وعلت كلمة الله وظهر دينه. وبلغت الأمة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها، فكلما علوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم، ثم الذين يلونهم من العتاة والفجار، امتثالا لقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ} وقوله {وَلِيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} ، أي وليجد الكفار منكم غلظة عليهم في قتالكم لهم، فان المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقا لأخيه المؤمن، غليظا على عدوه الكافر، كما قال تعالى {فَسَوْفَ يَاتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} المائدة 54، وقال تعالى {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} الفتح 29 وقال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} التوبة 73 والتحريم 9 وفى الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أنا الضحوك القتّال"، يعنى أنه ضحوك في وجه وليه، قتال لهامة عدوه.

وقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} أي: قاتلوا الكفار وتوكلوا على الله واعلموا أن الله معكم إن اتقيتموه وأطعتموه وهكذا الأمر لما كانت القرون الثلاثة الذين هم خير هذه الأمة في غاية الاستقامة والقيام بطاعة الله تعالى لم يزالوا ظاهرين على عدوهم ولم تزل الفتوحات كثيرة ولم تزل الأعداء في سفال وخسار ثم لما وقعت الفتن والأهواء والاختلافات بين الملوك طمع الأعداء في أطراف البلاد، وتقدموا إليها فلم يمانعوا لشغل الملوك بعضهم ببعض. ثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت