إذا كان إبراهيم -عليه السلام- خاف على نفسه وعلى بنيه؛ مع أن الأنبياء الذين من بعده كلهم من بنيه، ومع ذلك قال ذلك، لماذا؟ {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} .
وكذلك يا عبد الله؛ خاف النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته، وبيَّن أنهم سيتَّبعون من كانوا قبلهم كما في الصحيحين: (لتَّتبعُنَّ سنن من كان قبلكم حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حتى لو دخلوا جحر ضَبٍّ لدخلتموه) ، قالوا يا رسول الله: (اليهود والنصارى؟) ، قال: (فمن؟) .
وجاء في (صحيح الإمام مسلم) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (بادروا بالأعمال فتنًا يُرقّق بعضها بعضًا، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بغرض من الدنيا) .
أخرج الخلال في كتاب (السنة) عن حذيفة -رضي الله عنه- عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل لحذيفة فقال يا حذيفة:"أتركت بنو إسرائيل دينها في يوم؟ قال: لا، ولكنهم كانوا إذا أمروا بشيء تركوه، وإذا نهوا عن شيء ركبوه، حتى انسلخوا من دينهم كما ينسلخ الرجل من قميصه".
إذًا يا عباد الله علينا بالخوف على هذا الدين، لأنه -والله يا عباد الله- لا ينصلح قلب مسلم إلا بهذا الدين، ولا يقبل الله -عز وجل- دينًا سواه، ولذا قال الله -عز وجل-: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [1] ، وكما قال -جل وعلا-: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [2] ، ولذا قال -جل وعلا-: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [3] ، وقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [4] .
وكم من الناس اليوم من يمُنُّ على الله -عز وجل- بدينه، هذا الدين فضلٌ من الله وكرمٌ من الله، قال -جل وعلا-: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [5] .
ولذا قال -جل وعلا-: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [6] .
(1) سورة الزمر، الآية: 22.
(2) سورة الأنعام، الآية: 125.
(3) سورة آل عمران، الآية: 19.
(4) سورة آل عمران، الآية: 85.
(5) سورة الحجرات، الآية: 7.
(6) سورة الحجرات، الآية: 17.