الصفحة 193 من 217

وأما قولكم: [أني فرّقت الأمة] ؛

فإن هذا ليس أول افتراءاتكم يا قضاة السوء، بل إني أدعو -ولله الحمد- على جمع الأمة على الكتاب والسنة، وإن جمع الكلمة، وإصلاح ذات البين، وتأليف القلوب هي من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ... (103) } [سورة آل عمران] ، وقد توعد الله بالعذاب العظيم لمسبب التفرق والاختلاف قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) } [سورة آل عمران] ، وإن مما يرضي ربنا اعتصامنا بحبله جميعًا وعدم تفرقنا كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة بلزوم الجماعة كما في الصحيحين، وقد فسر ابن مسعود الجماعة أنها:"الحق ولو كنت وحدك" [رواه اللالكائي] ، ورحمة الله على ابن القيم ولله دره حيث قال:"واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق، وإن كان وحده، وإن خالفه أهل الأرض"إلى أن قال:"فمسخ المختلفون الذين جعلوا السواد ا? عظم والحجة والجماعة هـم الجمهور، وجعلوهـم عيارًا على السنة، وجعلوا السنة بدعة، والمعروف منكرًا لقلة أهـله وتفردهـم في الأ عصار وا? مصار، وقالوا: منْ شذَّ شذَّ الله به في النار، وما عرف المختلفون أن الشاذَّ ما خالف الحق وإن كان الناس كلهم عليه إ? واحدًا منهم فهم الشاذون، وقد شَذَّ الناس كلهم زمن أحمد بن حنبل إ? نفرًا يسيرًا؛ فكانوا هـم الجماعة، وكانت القضاة حينئذ والمفتون والخليفة وأتباعه كلهم هـم الشاذون، وكان ا? مام أحمد وحده هـو الجماعة، ولما لم يتحمل هـذا عقول الناس قالوا للخليفة: يا أمير المؤمنين أتكون أنت وقُضاتك وو? تك والفقهاء والمفتون كلهم على الباطل وأحمد وحده هـو على الحق؟ فلم يتسع علمه لذلك؛ فأخذه بالسياط والعقوبة بعد الحبس الطويل؛ ف? إله إ? الله، ما أشبه الليلة بالبارحة، وهـي السبيل المهيَع ? هـل السنة والجماعة حتى يلقوا ربهم، مضى عليها سلفهم، وينتظرهـا خلفهم: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) } "

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت