فانظر إليهم كيف اعتذروا بالاشتغال بالأهل والأموال عن حضور الجهاد وهذا لسوء ظنهم بالله لأنهم ظنوا أنهم سيقتلون ويستأصلون، ولم يزل هذا الظن يزيد في قلوبهم ويطمئنون إليه حتى استحكم ذلك فيهم وسببه أمران:
أحدهما: أنهم كانوا قومًا بورًا: أي هلكى لا خير فيهم فلو كان فيهم خير لم يكن ذلك في قلوبهم.
ثانيهما: لضعف إيمانهم ويقينهم بوعد الله بنصر دينه وإعلاء كلمته وقمع أعدائه قال تعالى: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا} (الفتح: 12) .
ولذا قال الله عن المنافقين في اعتذارهم عن الجهاد: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} (التوبة: آية49) .
قيل نزلت في الجد بن قيس حين اعتذر عن ترك الجهاد لكي يطلب سلامته من الفتنة من نساء بني الأصفر وعلى تقدير صدقه في ذلك؛ فإن في إعراضه عن الجهاد ونكوله عنه بسبب مرض قلبه الذي زين له ذلك فإن في ذلك مفسدة كبرى وفتنة عظيمة قد سقط فيها فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم يقع فيها بفتنة عظيمة أصابته والله يقول {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} (لأنفال: آية39) .
فمن ترك الجهاد - الذي أمر الله به لئلا تكون فتنة - فهو في الفتنة ساقط بما وقع فيه من مرض قلبه وضعف إيمانه وتركه ما أمر به ربه في قتال عدوه.
فتدبر هذا فإنه مقام خطير. فكم من الناس اليوم قاموا على المجاهدين بلمزهم وعيبهم كل ذلك محبةً للدنيا وكراهيةً للموت وحبًا للرئاسة واللذة والشهوة فكم قدموا العاجل الذي حقيقته غرور وزهدوا في الآجل الذي فيه الجنة والسرور، {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (الأعلى: 17) .
وهذا حال أهل النفاق يقومون بتخذيل وتثبيط أهل الإيمان عن الجهاد في سبيل الله قال تعالى: {وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} (التوبة: 81) .
فهكذا جعلوا النفير مشقة عليهم بسبب الحر، فقدموا راحة قصيرة منقضية على الراحة الأبدية التامة. وحذروا من الحر الذي تقي منه الظلال، وتذهبه البكور والآصال، على