الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (التوبة: 111) . وهذه مناداة من الرب لعباده المؤمنين لأعظم تجارة وأجلَّ مطلوب وأعلى مرغوب يحصل به النجاة من العذاب والفوز بأعظم نعيم وأطيب مسكن.
ما هذه التجارة التي هذا قدرها إيمان بالله وبرسوله وبذل النفوس رخيصة في سبيل هذا الإله المعبود بحق وهو الله؟ فابذلوا نفوسكم ومهجكم لمصارمة أعدائكم وإعلاء دين ربكم تلتمسون بذلك رضى ربكم فإذا قمتم بذلك فهذه البشارة من ربكم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (الصف: 11) .
فلله ما أحلى هذه الألفاظ وما ألصقها بالقلوب وما أعظمها جذبًا لها وتسييرًا إلى ربها وما ألطف موقعها من قلب كل محب وما أعظم غنى القلب وأطيب عيشه حين تباشره معانيها وتشتاق النفوس إلى هذه التجارة الرابحة التي دلَّ عليها رب العالمين.
لتقوموا بالدعوة لجهاد اعداء الله ركبانًا ورجالًا، وأن تنفروا في سبيل الله خفافًا وثقالًا. وأن تتطهروا بإراقة دماء الكفار والمشركين من أدناس الذنوب وأنجاس الأوزار فمن كان كثير الذنوب فأعظم دوائه الجهاد، قال تعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} (الصف: 13) .
فهذا الله يعدهم بما يحبون نصر على الكفار وفتح للديار وهذا كله مبشرات لأهل الإيمان، لقد حرك الداعي إلى الله، وإلى دار السلام النفوس الأبية، والهمم العالية، وأسمع منادي الإيمان من كانت له أذن واعية، وأسمع الله من كان حيًا، فهزه السماع إلى منازل الأبرار، وحدا به في طريق سيره، فما حطت به رحاله إلا بدار القرار، ولا تظن ولا يخطر ببالك أن تدخل الجنة من دون مشقة، واحتمال المكاره في سبيل الله وابتغاء مرضاته فإن الجنة أعلى المطالب، وأفضل ما به يتنافس المتنافسون، وكلما عظم المطلوب عظمت وسيلته، والعمل الموصل إليه، فلا يوصل إلى الراحة إلا بترك الراحة، ولا يدرك النعيم إلا بترك اللذة والنعيم.
وإن مكاره الدنيا التي تصيب العبد في سبيل الله - عند توطين النفس لها، وتمرينها عليها ومعرفة ما تؤول إليه - تنقلب عند أهل البصائر منحًا يسرون بها ولا يبالون بها {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} (آل عمران: 142) .