واعلم أن من أعلى مايحبه الله ورسوله الجهاد في سبيل الله فإنه سنام المحبة واللائمون عليه كثير، إذ أكثر النفوس تكرهه، واللائمون عليه ثلاثة أقسام: منافق، ومخذِّل مُفَتِّر للهِمَّة، ومُرجف مُضعف للقوة والقدرة. ولذا لم يستجب لداعي الله في الجهاد إلا من جاء وصفهم بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} (المائدة: آية54) . ولهذا كان الجهاد موجبًا للهداية التي هي محيطة بأبواب العلم كما جاء في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت: 69) .
فدل على أن أحرص الناس بموافقة الصواب والهداية في جميع سبله تعالى هو المجاهد. ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل رحمة الله عليهما: (إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغور فإن الحق معهم؛ لأن الله يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} العنكبوت: 69 ) ) .
إذًا يتعين على العاقل التعرض لهذه الرتب ومساعدة القائم بها والانظمام إليه والانتظام في سلكه فتربحوا بذلك تجارة الآخرة وتسلموا على دينكم، فقد مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم المجاهد بقوله: (( مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله تعالى ) )رواه مسلم.
وهذا من أجلَّ حديث روي في فضل الجهاد لأنه مَثَّلَ بالصلاة والصيام وهما أفضل الأعمال، وجعل المجاهد بمنزلة من لا يفتر عن ذلك ساعة، فأي شيء أفضل من شيء يكون صاحبه راكبًا وماشيًا وراقدًا ومتلذذًا بكثير ما أبيح له من حديث رفيقه وأكله وشربه وهو في ذلك كله كالمصلي التالي للقرآن في صلاته، الصائم المجتهد. وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، بل وقد تقرر عند الصحابة أن الجهاد من أفضل الأعمال.
كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: (( لا تستطيعونه ) )، قال: فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يقول: (( لا تستطيعونه ) )، وقال في الثالثة: (( مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام ولا صلاة، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله ) )وهذا لفظ مسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: (( لا، لكن أفضل الجهاد حج مبرور ) )رواه البخاري.
والأحاديث في فضل الجهاد متواترة فمن ذلك: