فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) [19] ، وهذا كما وصف الله أهل الكفر بقوله: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) [20] ، وقال عن المنافقين: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) [21] ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (أي لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه) [22] ، فلا يسمى عاقلا إلا من عرف الخير فطلبه، وعرف الشر فتركه ولهذا قال أصحاب النار: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ) [23] ، قال ابن كثير رحمه الله: (أي: لو كانت لنا عقول ننتفع بها، أو نسمع ما أنزله الله من الحق، لما كما على ما نحن عليه من الكفر بالله والاغترار به ولكن لم يكن لنا فهم نعي به ما جاءت به الرسل ولا كان لنا عقل يرشدنا إلى اتباعه) [24] انتهى كلامه رحمه الله، قال الزجاج: (لو كنا نسمع سمع من يعي ويتفكر أو نعقل عقل من يميز وينظر؛ ما كنا من أهل النار) [25] ، وحالهم يوم القيامة، منكسة رؤوسهم من الذلة والصغار لما عاينوا هذه الأهوال، وأيقنوا بالعطب، أعلنوا بعد ذلك الندم، لكن هيهات هيهات، حيل بينهم وبين ما يشتهون، قال تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ) [26] ، وهذه هي الخسارة العظيمة البيّنة الواضحة قال تعالى: (وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا) [27] ، ويعرف هذا من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أما من أعمى الله بصيرته فلا حيلة فيه قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ