فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 391

( وَهُوَ الضَّارِبُ الكتيبةَ والطَّعْنة ... تغلو والضَّربُ أَغْلى وَأَغْلَى )

واشباهُ ذلك كلُّها أخبارٌ فيها معنى الجنسية وأنها في نوعِها الخاصِّ بمنزلِة الجنسِ المُطلَقِ إذا جعلتَه خَبرًا فقلتَ: أنتَ الشجاعُ وكما أنك لا تقصِدُ بقولك: أنت الشجاعُ إلى شجاعةٍ بعينها قَدْ كانت وعُرِفَتْ من إنسان . وأردتَ أن تعرِفَ ممن كانت بل تريدُ أن تَقْصُرَ جنسَ الشجاعة عليه ولا تجعلَ لأحدٍ غيرهِ فيه حظًّا . كذلك لا تقصِدُ بقولك:"أنت الوفٌّي حين لا يَفي أحدٌ"إلى وفاءٍ واحدٍ كيفَ وأنتَ تقول:"حينَ لا يفي أحدٌ". وهكذا محالٌ أنَ يَقْصِدَ من قولِه:"هُوَ الواهبُ المئةَ المصطفاةَ"إلى هِبَةٍ واحدةٍ لأنه يَقْتضي أنْ يقصِدَ إلى مِئةٍ منَ الإبلَ قد وهَبها مرةً ثم لم يَعُدْ لمثلها . ومعلومٌ أنه خلافُ الغرضِ . لأن المعنى أنه الذي من شأنِه أن يَهَبَ المئةَ أبدًا والذي يبلغُ عطاؤه هذا المبلغَ كما تقول: هو الذي يُعطي مادِحَه الألفَ والألفين وكقوله - الرجز -:

( وحاتمُ الطائيُّ وهّابُ المِئي ... )

وذلك أوضحُ من أن يَخْفَى . وأصلٌ آخرُ وهو أن مِنْ حَقِّنا أن نَعْلَمَ أنَّ مذهبَ الجنسية في الاسم وهو خبرٌ غيرُ مذهبها وهو مبتدأ . تفسيرُ هذا أَنَّا وإنْ قلنا: إنَّ اللامَ في قولك: أنت الشجاعُ للجنس كما هُوَ له في قوِلهم: الشجاعُ موقَى والجبانُ مُلقًّى فإنَّ الفرقَ بينهما عظيمٌ . وذلك أنَّ المعنى في قولك: الشجاعُ موقًّى أنك تُثْبتُ الوقايةَ لكلِّ ذاتٍ من صفتها الشجاعةُ فهو في معنى قولِك: الشجعانُ كلهم موقًّوْن . ولستُ أقولُ: إن الشجاعَ كالشجعان على الإطلاق وإن كان ذلك ظَنُّ كثيرٍ من الناس ولكنّي أريدُ أنك تجعلَ الوقايةَ تستغرِقُ الجنسَ وتَشْمَلهُ وتَشيعُ فيه . وأما في قولك: أنت الشجاعُ فلا معنى فيه للاستغراقِ إذْ لستَ تريدُ أن تقولَ: أنت الشجعانُ كلُّهم حتى كأنك تذهبُ به مَذْهبَ قولِهم: أنت الخلقُ كلُّهم وأنت العالمُ . كما قال - السريع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت