فيه واللهُ أعلم . أعني مثلَ قولِه تعالى: ( هل أتاكَ حديثُ ضَيفِ إبراهيمَ المُكْرَمين . إذ دَخَلوا عليهِ فقالوا سَلامًا قال سَلامٌ قومٌ مُنْكَرون . فراغَ إلى أهلِه فجاءَ بعجْلٍ سمينٍ . فقرَّبَه إليهِم قال ألا تأكُلونَ . فَأوجَسَ منهم خِيفةً قالوا لا تَخَفْ ) جاء على ما يقعُ في أنفسِ المخلوقين منَ السُّؤال . فلما كان في العُرفِ والعادةِ فيما بينَ المخلوقينَ إذا قيل لهم: دخلَ قومٌ على فلانٍ فقالوا كذا أَن يقولوا: فما قَال هو ويقولُ المجيبُ: قال كذا أخرجَ الكلامَ ذلك المُخْرجَ لأنَ الناسَ خُوطبوا بما يتعارفونه وسُلِكَ باللفظِ معهم المَسْلكُ الذي يَسْلُكُونه . وكذلك قولُه: ( قال ألا تأكلون ) وذلك أن قولَه: ( فجاءَ بعجلٍ سمينٍ فقربه إليهم ) يقتضي أن يُتْبعَ هذا الفعلُ بقولٍ فكأنه قِيل واللهُ أعلمُ: فما قال حينَ وَضَعَ الطعامَ بين أيديهم فأتى قولُه: ( قال ألا تأكلون ) جوابًا عن ذلك . وكذا ( قالوا لا تخف ) لأنَّ قولَه: ( فأوجسَ منهم خِيفةً ) يقتضي أن يكونَ من الملائكةِ كلامٌ في تأنيسِه وتَسكينه مما خامَره . فكأنه قيلَ: فما قالوا حينَ رأوه وقد تغيَّرَ ودخلتْه الخيفةُ فقيل: قالوا لا تَخفْ وذلك واللهُ أعلم المعنى في جميع ما يجيءُ منه على كثرتِه كالذي يجيءُ في قِصَّةِ فرعونَ عليه اللعنةُ وفي رَدِّ موسى عليه السلامُ كقولِه: ( قالَ فرعونُ وما ربُّ العالمين . قال ربُّ السماواتِ والأرضِ وما بَيْنَهما إنْ كنتُم مُوقِنينَ . قال لَمَنْ حولَه ألا تَسْتَمعون . قال ربُّكم وربُّ آبائكُم الأوَّلين . قالَ إنَّ رسولَكُم الذي أرسْلَ إليكُم لَمَجنونٌ . قال ربُّ المشرقِ والمغربِ وما بَيْنَهما إنْ كنتُم تعقِلون . قال لَئنَ اتَّخذْتَ إلهًا غيري لأجعلنَّك مِنَ المسجونين . قال أوَ لَوْ جِئْتُكَ بشيءٍ مُبينٍ . قال فَأْتِ بِهِ إنَّ كُنْتَ منَ الصَادِقِيْن ) جاء ذلك كلُّه واللهُ أعلمُ على تقديرِ السؤال والجوابِ كالذي جرتْ به العادةُ فيما بينَ المخلوقين فلما كان السامعُ إِذا سَمِع الخبرَ عن فرعونَ بأنه قال: وما ربُّ العالمين وقعَ في نفسه أن يقول: فما قال موسى له أتى قوله: ( قال ربُّ السماوات والأرض ) مأتى الجوابِ مبتدأ مفصولًا غيرَ معطوف . وهكذا التقديرُ والتفسيرُ أبدًا في كل ما جاءَ فيه لفظُ"قال"هذا المجيء . وقد يكونُ الأمرُ في بعضِ ذلك اشدَّ وضوحًا
فممّا هَوَ في غاية الوضوح قولُهُ تعالى: ( قَالَ فَما خَطْبُكُمْ أيُّها المُرْسَلُونَ . قَالُوا إنّا