الصفحة 11 من 12

-ضعيف المدرك: وهو الذي خالف الإجماع، أو القواعد أو النص أو القياس الجلي، فيكون ضعيفا في نفسه [1] [44] .

والقاعدة العامة عند الفقهاء هي تقديم الراجح والمعتمد من الأقوال والفتوى بهما، وأنه لا يصار إلى الشاذ والضعيف في الأحوال العادية، وقد نقل عن المازري قوله: لا أفتي بغير المشهور ولا أحمل الناس على غيره لأن الورع قل، بل كاد يعدم، والتحفظ على الديانات كذلك، وقد كثرت الشهوات، وكثر من يدعي العلم ويتجاسر على الفتوى فيه بغير بصيرة، فلو فتح لهم باب في مخالفة مشهور المذهب لاتسع الخرق على الراقع وهتكوا حجاب هيبة المذهب، وهذا من المفسدات، لأنه يكون تحكيما فلا يسير إلا حيث يكون غرضه وشهوته، ولا يكون داخلا تحت قانون شرعي يضبط به تصرفاته التي لا خفاء بها [2] [45] .

وأكد الفقهاء الذين كتبوا على مختصر خليل عند قوله في باب القضاء: فحكم بقول مقلده. إن القاضي ملزم بالحكم بقول مقلده-بفتح اللام- يعني بالمشهور أو الراجح سواء كان قوله أو قول أصحابه لا بالضعيف ولا بقول غيره من المذاهب [3] [46] .

وفي المقابل فقد وجدنا الفقهاء خاصة المالكية يعملون بالضعيف وبالشاذ ويراعون الخلاف إعمالا منهم لروح الاجتهاد، والنظر في النصوص والأقوال بعين تراعي الواقع وتستحضر الأحوال، ولم يكن ذلك ليوقعهم في إتباع الهوى أو الأغراض، أو ليميل بهم إلى ناحية الخروج عن المتفق عليه من الأقوال عن عبث وجهل [4] [47] .

وكثيرا ما التمست تلك الأقوال الشاذة أو الضعيفة داخل المذهب للخروج من المضايق وللتوسعة والتيسير، فيتعين حينئذ جلبه واعتماده، ثم إن حركية الفقه وعملية الإفتاء تستلزم تقليب الأقوال والنظر في أنساقها وبيئتها، فما كان ضعيفا في زمن قد يصبح غير ذلك اليوم، وما كان مشهورا لزمن قد لا تنفع شهرته غدا، وما كان شاذا زمن اللخمي وابن العربي قد تدعو الضرورة والمصلحة للأخذ به بعدهما، يقول الحجوي الثعالبي: فإذا كان العمل بالضعيف لدرء مفسدة فهو على أصل مالك في سد الذرائع، أو جلب مصلحة، فهو على أصله في المصالح المرسلة. . . فإذا زال الموجب عاد الحكم للمشهور لأن الحكم بالراجح ثم المشهور واجب. . . وعليه، فالعمل لا يعتمد إلا إذا جرى بقول راجح، أو من قاض مجتهد الفتوى بين وجه ترجيح ما عمل به، لأن المجتهد هو الذي يقدر على تمييز ما هو مصلحة وما هو مفسدة، أو ذريعة إليها، ويميز ما هو في رتبة الضروريات والحاجيات وما هو في رتبة التحسينات [5] [48] . ويرى الشاطبي أن مراعاة الأقوال الضعيفة أو غيرها شأن المجتهدين من الفقهاء.

والذين أجازوا الفتوى بالضعيف اشترطوا شروطا أربعة: ألا يكون القول شديد الضعف، وأن يعرف قائله، والتأكد من صحة الضرورة ورجحان المصلحة الداعية إليه، ثم إن ذلك لا يصدر إلا عن المجتهد النظار.

وقد ذكر الإمام أبو إسحاق الغرناطي ت 549 في وثائقه قضايا الخلاف بين فقهاء الأندلس ورأي الإمام مالك، نظمها ابن غازي المكناسي في رجز على النحو الآتي:

قد خولف المذهب في أندلس في ستة منهن سهم الفرس

وغرس الأشجار لدى المساجد والحكم باليمين قل والشاهد

(1) [44] - محمد الأمين بن الشيخ، مراعاة الخلاف في المذهب المالكي، ص 318

(2) [45] - الشاطبي، الموافقات، 4/ 146

(3) [46] - شرح الخرشي على خليل 5/ 140

(4) [47] - - مصطفى الصمدي، فقه النوازل عند المالكية، 377

(5) [48] - الحجوي، الفكر السامي، 3/ 465

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت