جاء عن الإمام مالك: إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن [1] [12] .
ج- استشارة أهل الاختصاص في النوازل المشكلة: إن كثيرا من النوازل لها إجابة قانونية أو اقتصادية أو طبية، ولذلك لابد من بيانها ووصفها من لدن أهل الخبرة فيها، ومن هنا قيل: إن العلوم كلها أبازير للفقه، وقد كانت المسألة تنزل بعمر بن الخطاب رضي الله عنه فيستشير لها من حضر من أصحابه، وربما جمعهم وشاورهم. وإذا كانت النازلة من القضايا الاقتصادية أو العلمية أو الطبية، فإن الفقيه لابد أن يكون ملما بها حتى يتصورها، والإلمام هو المعرفة السديدة بالقضية كأن يعرف طرق التمويل في البنوك، وكأن يعرف الفرق بين الربح والفائدة، وما هو الفرق بين موت الدماغ وتوقف القلب، ومعنى المواد المضافة في الأطعمة المصنعة، والبصمة الوراثية وأطفال الأنابيب. . . وغيرها. والمعرفة المطلوبة لا يشترط فيها أن يكون الفقيه متخصصا في هذه العلوم، فإن ذلك متعذر، ولكن أن يكون على إلمام بقضاياه ومتابعة للمجلات العلمية، وأن يستشير أهل الاختصاص حتى تتضح المسألة عنده بجلاء لا خفاء فيه وبإحكام لا اشتباه معه.
د- معرفة الأنظمة والقوانين الخاصة بالبلد: وهي من أهم المتطلبات في الفتوى، لأنها تعد بمثابة العرف الخاص بكل بلد، فلا يمكن لمن يفتي في قضايا الأسرة أن لا يعرف أن الفاتحة في عرف البلد كالجزائر وتشريعه هي عقد، ولا لمن يريد الاجتهاد في معاملة تخص مؤسسة أو بنكا معينا أن يكون عارفا بنظام هذه المؤسسة أو البنك، إذ أغلب العقود المعاصرة في المعاملات المصرفية وغيرها محكومة بالقوانين والأنظمة التي تصدر عنها، ولقد وقع بسبب الغفلة عن ضرورة التصور للنازلة تصورا علميا سليما الخطأ في الكثير من الفتاوى منها:
-تحريم الإضراب، وعده خروجا على الحاكم أو هو في معناه، وسببه الغفلة عن إباحة قوانين البلد له.
-الاحتفال بالمولد النبوي لم يتحدد محل النزاع، هل هو عيد خاص يلتزم المسلم فيه بأعمال خاصة، أم هو يوم يتذكر فيه مجموع الأمة النعمة بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم فيتدارسون سيرته ويلهجون بخصائصه.
-فتوى الشيخ شلتوت بجواز أخذ الفائدة التي تعطيها صناديق التوفير مبررا ذلك بأن هذا العقد مع مصلحة البريد لم يكن قرضا، إنما هو إمداد للمصلحة بزيادة رأس مالها ليتسع استثمارها.
ووجه الخطأ في التصور: أن صناديق التوفير هذه لم تكن تقوم بعمل الاستثمار ولا تملك أجهزته، وإنما تعطي الحصيلة للبنوك لتأخذ منها فائدة توزعها على المشتركين، فانتهى الأمر إلى إقراض البنك بفائدة ولكن بواسطة البريد.
2 -التكييف: هو إلحاق الصورة المسؤول عنها بما يناسبها من أبواب الفقه ومسائله، أو هو رد المسألة إلى أصل من الأصول الشرعية، ولهذا فالمفتي يشترط فيه الإحاطة بكليات الشريعة وجزئياتها، والمعرفة بالفقه وأصوله، ومواطن الاتفاق والاختلاف، وما بحث وسطر في المدونات الفقهية وما لم يبحث، ومدارك الأحكام النصية والعقلية والعرفية. ومراتب الأقوال في المذاهب، ومصادر الراجح من الآراء، مع ملكة فقهية راسخة. والتكييف نوعان:
بسيط: جلي وهو ما سهل فيه رد النازلة إلى أصل فقهي واضح كأن يقال أوراق اليانصيب أو الجوائز الكبيرة والثمينة المعطاة من الشركات نظير استهلاك كميات من الأجبان مثلا نوع من القمار المحرم.
-مركب: هو ما تجاذب النازلة فيه أكثر من أصل، ومثاله عقد الصيانة لإصلاح ما يملكه أو يستعمله الطرف الآخر، فهو متردد بين أن يكون من قبيل الإجارة أو الجعالة أو الضمان أو غير ذلك. ويمكن أن تتشكل النازل من عناصر معروف حكمها بانفرادها، لكن النازلة تكون مسألة
(1) [12] - القاضي عياض، ترتيب المدارك، 1/ 178