لعموم الحاجة إلى ذلك والحاجة إذا عمت كانت كالضرورة [1] [40] مثاله: إفتاء المجلس الأوربي بإباحة القروض الربوية لتملك بيوت للسكنى خارج ديار الإسلام، وذلك تنزيلا للحاجة منزلة الضرورة في إباحة المحظورات [2] [41]
د- مراعاة تغير الفتوى بتغير الزمان: هذه القاعدة وردت في مجلة الأحكام العدلية بعنوان: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان.
وهي قاعدة معتبرة في تغير الفتوى، يقول ابن القيم: تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد، هذا فصل عظيم جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم في الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف مالا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة في أعلى مراتب المصالح لا تأتي به [3] [42] .
ولاشك أن هذا خاص بالأحكام الاجتهادية، إذ كثيرا من النوازل في الغالب تنشأ لتلبية حاجات معينة للأفراد أو للمجتمعات، ويساهم في وجودها ومدى الحاجة إليها الظروف الزمانية والمكانية المحيطة، لذا ينبغي للمجتهد أن يكون مدركا لهذه العوامل المؤثرة في الفتاوى والأحكام سواء المسطورة في كتب الفقه فلا يجمد عليها ولا يأخذها ويجرها إلى واقع غير الواقع الذي نشأت فيه.
فإذا كان الحكم يتعلق بفرد من الأمة فيجب على المفتي معرفة حاله أولا، فرب حكم لزيد لا يفتى به لعمرو، لاختلاف حالهما. وإن كان يتعلق بالمجتمع أو الأمة فينبغي كذلك التنبه إلى الحال العامة للأمة، فرب فتوى لبلد معين لا تناسب البلد الآخر، ورب حكم يناسب مجتمعا إسلاميا خالصا لا يناسب أقلية من الأقليات التي تعيش في بلد غير إسلامي، فلا بد للمجتهد أن يستحضر هذه المعاني فإنها كفيلة بمقاربة الصواب والبعد عن الخطأ. ونقدم أمثلة:
-من ذلك التقابض في الربويات، يكون بحيازة العوضين في مجلس التعاقد وهو المعبر عنه في الحديث: يدا بيد. وفي هذا العصر تعارف الناس أن تقوم الأوراق المالية كالصك. مقام قبض النقود فروعي هذا في الفتوى.
ومن الأمثلة على ذلك: الحقوق المعنوية كحقوق الابتكار والتأليف وبدل الخلو، فإن النظر الخاص قد لا يدل دلالة واضحة على اعتبار هذه الحقوق، لكن النظر العام يفيد اعتبار هذه الحقوق لأصحابها، حيث إن ذلك مما جرت به العادة وصار من الأمور المتعارف عليها في العرف والقانون.
--و قال ابن عابدين: فقد اتفقت النقول عن أئمتنا أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد أن الاستئجار على الطاعات باطل لكن جاء من بعدهم من المجتهدين الذين هم أهل التخريج والترجيح فأفتوا بصحته على التعليم للقرآن للضرورة فإنه كان للمعلمين عطايا من بيت المال وانقطعت فلو لم يصح الاستئجار وأخذ الأجرة لضاع القرآن وفيه ضياع الدين لاحتياج المعلمين إلى الاكتساب وأفتى من بعدهم أيضا من أمثالهم بصحته على الآذان والإمامة لأنهما من شعائر الدين فصححوا الاستئجار عليهما للضرورة أيضا فهذا ما أفتى به المتأخرون عن أبي حنيفة وأصحابه لعلمهم بأن أبا حنيفة وأصحابه لو كانوا في عصرهم لقالوا بذلك ورجعوا عن قولهم الأول [4] [43] .
هـ- العمل بالرأي الضعيف: والمراد بالضعيف: ما لم يقو دليله، ويطلق في الغالب على ما يقابل الراجح، وقد يطلق على مقابل المشهور، وهو نوعان:
-ضعيف نسبي: وهو الذي عارضه ما هو أقوى منه، فيكون ضعيفا بالنسبة لمعارضه الذي هو أقوى منه، وإن كان له قوة في نفسه.
(1) [40] - السيوطي، الأشباه والنظائر، 89
(2) [41] - السالوس، فقه البيع والاستيثاق، 961
(3) [42] - ابن القيم، أعلام الموقعين، 3/ 3
(4) [43] - ابن عابدين، شرح عقود رسم المفتي، 1/ 29