إذا هي نزلت من إذا قال وفق وسدد وإنكم إن تعجلوها تختلف بكم الأهواء فتأخذوا هكذا وهكذا، وأشار بين يديه وعلى يمينه وعن شماله) [1] [9] .
-لقد كان للثورة الصناعية والتطور المذهل في وسائل الاتصال والإعلام والتعليم، وبث المعارف والآراء في القنوات الفضائية والشبكة العالمية وبرامج الحاسب الآلي والمواقع الالكترونية أثر كبير في ظهور وقائع وظواهر وترسانات تشريعية غير مسبوقة.
-اتساع الأقاليم التي يعيش فيها المسلمون، فبعضها هم أهلها، وبعضها هم أغلبية ويشاركهم فيها جزء هم على غير دينهم، كما أن بعض هذه البلاد المسلمون فيها هم الأقلية.
-التخلف الذي يشوب بلاد المسلمين.
-ارتباط الدول باتفاقيات ومعاهدات لا يمكن التغاضي عنها، أو الانفكاك من التزاماتها أو التقليل من آثارها.
ضوابط النظر في النازلة: عند التدقيق فإن دراسة نازلة من النوازل، وبيان حكمها الشرعي، فإنه لا بد من سلوك منهج محدد مضبوط، مراحله ثلاثية هي: التصور، التكييف وإصدار الحكم.
1 -التصور: أي فهم النازلة فهما دقيقا، إذ الحكم على الشيء فرع تصوره، ويكون ذلك بتحرير محل النزاع، وتحديد النقطة المراد دراستها، وإذا ورد من المستفتي مكتوب فعلى المفتي أن يتأمل رقعة الاستفتاء ويفهم فحواها.، فبقدر ما ينجح المفتي في تصور النازلة بقدر ما تكون الفتوى أقرب لإصابة الحق، وتحقيق مقاصد الشرع. والتصور السديد هو ذلك الذي يتحقق بما يلي:
ا- أن تكون الواقعة قابلة للاجتهاد فيها: إذ لا يصار إلى الاجتهاد في كل مسألة، بل هناك قضايا ومسائل رام الكثيرون في هذا العصر إدخال الاجتهاد فيها، ولا يتأتى لهم ذلك، وهي:
-الأحكام الشرعية الثابتة بدليل قطعي، قال الشاطبي: فأما القطعي فلا مجال للنظر فيه بعد وضوح الحق في النفي أو في الإثبات، وليس محلا للاجتهاد، وهو قسم الواضحات، لأنه واضح الحكم حقيقة والخارج عنه مخطيء قطعا [2] [10] . ومن أمثلتها حرمة الربا، وإباحة التعدد ولباس المرأة الساتر لها.
-العقوبات والكفارات المقدرة فإنها توقيفية، ولذا لا يجوز الاجتهاد فيها، بل يجب الوقوف مع النص وليس من حق العالم تغيير شيء منها أو تبديله بالرأي، لأن فتح هذا الباب كما يقول حجة الإسلام: يؤدي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصها بسبب تغير الأحوال [3] [11] . و ما عدا ذلك من الأحكام يعد مجالا للاجتهاد، ويشمل ذلك:
-الحوادث والوقائع التي لم يرد بشأنها نص ولا إجماع وهي النوازل.
-المسائل التي ورد بشأنها دليل ظني فاختلف فيها أهل العلم على قولين فأكثر فهذه يدخلها الترجيح والاختيار ولا ينقض فيها حكم المجتهد.
تشمل الفتوى جميع تصرفات العباد، لا يخرج عنها اعتقاد، أو قول، أو عمل، وهذا يشمل علاقة المكلف بربه، وبنفسه وبغيره، وبالدولة التي يعيش فيها، وعلاقة الدولة بغيرها من الدول في زمن السلم والحرب. أي إن الفتوى تتصل بمختلف المجالات: العقيدة والعبادة والمعاملة والمال والاقتصاد والأسرة والسياسة والحكم والقضاء وغير ذلك.
ب- حتى يكتمل تصور النازلة في ذهن المفتي المجتهد، فإنه يستلزم منه جمع المعلومات المتعلقة بالنازلة، وماهيتها والظروف المتعلقة بها، والبحث في جذورها وتاريخ نشأتها، وتتبع ما صدر في حقها من فتاوى لغيره ودراسات، فإن هذا من شأنه أن يورث الفهم ويبعد عن الزلل. فقد
(1) [9] - سنن الدارمي، 1/ 49.
(2) [10] - الشاطبي، الموافقات، 4/ 156
(3) [11] - الغزالي، المستصفى، 1/ 28