الصفحة 7 من 12

وأمر بالعرف. وقاعدة: اليقين لا يزول بالشك. فإنها في معنى قوله صلى الله عليه وسلم فليطرح الشك وليبن على ما استيقن [1] [24] .

ولقد راعى كثير من الفقهاء هذه القواعد واحتجوا بها أثناء الفتوى، وخرجوا عليها إجاباتهم واعتراضاتهم، ومن نظر إلى مثل المعيار للونشريسي أدرك ذلك وهو قول السيوطي المعروف: اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم به يطلع على حقائق الفقه ومداركه ويتمهر في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة [2] [25] .

و من أمثلته: فتوى بعض الهيئات بأن المواد الإضافية في الغذاء والدواء التي لها أصل نجس أو محرم تنقلب إلى مواد مباحة شرعا بإحدى طريقتين: الاستحالة وهي تغير حقيقة المادة وانقلاب عينها إلى مادة مباينة لها، ويكون بامتزاج المادة بمادة أخرى طاهرة حلال غالبة حتى يصير المغلوب مستهلكا.

وهذه الفتوى تستند إلى قاعدتين فقهيتين: - في انقلاب الأعيان هل له تأثير في الأحكام.

-في المخالط المغلوب هل تنقلب عينه إلى عين الذي خالطه [3] [26] .

د-الاستنباط بالاستحسان والاستصلاح وغيرها: تعاني الفتوى من بعض المتفقهة في عدم مراعاة الدليل أو الالتفات إليه، فتراهم لا يرجعون في الفتوى إلى ما دون في المصادر الأولى المعتمدة من أمهات الكتب، التي تعتمد المذاهب أقوالها ورواياتها، ويسلمون لنصوصها وما فيها من آثار.

و قد انتقد ابن عبد البر الفقهاء الذين يلتزمون المسائل المجردة عن الدليل ويرون أنها منتهى غايتهم، ولا يستدلون عليها بالآثار، فقال عنهم إنهم: طرحوا علم السنن والآثار، وزهدوا فيها وأضربوا عنها فلم يعرفوا الإجماع من الاختلاف ولا فرقوا بين التنازع والائتلاف بل عولوا بعى حفظ ما دون لهم من الرأي والاستحسان الذي كان عند العلماء آخر العلم والبيان [4] [27] .

وقد حذر القرافي وغيره من المحققين من الاعتماد في الفتوى على الكتب الغريبة إذا لم يشتهر عزو ما فيها من النقول إلى الكتب المشهورة، أو يعلم أن مصنفها كان يعتمد هذا النوع من الصحة وهو موثوق بعدالته [5] [28] .

3 -إصدار الحكم: أي بيان الحكم الذي توصل إليه بعد تصور المسألة وإلحاقها بأصولها الشرعية. وفي هذه المرحلة يحتاج المفتي إلى استحضار جملة من الضوابط تجعل فتواه المختمرة في ذهنه تتنزل تنزيلا سلسا وسديدا على الواقعة منها:

أ- عدم التقيد بتقليد مذهب خاص: إن ما ذكرناه من لزوم مراعاة نصوص الأئمة وقواعدهم لا ينتج وجوب التقيد بالمذهب في كل حال، فالذي عليه أهل العلم أن تقليد إمام معين ليس حكما شرعيا، وإنما هو حكم مبني على المصالح الشرعية، لأن لا يقع الناس في إتباع الهوى، فإن التقاط رخص المذاهب بالهوى والتشهي حرام، ولذلك منع كثير من العلماء التلفيق بين المذاهب، وليس جميع ذلك إلا لوقاية الناس عن إتباع أهوائهم الفاسدة، وإلا فالمحقق أن جميع مذاهب المجتهدين محقة لا سبيل للطعن في واحد منها، لأن كل مجتهد بذل ما في وسعه من جهد في الوصول إلى مراد النصوص واستخراج الأحكام منها، فليست الشريعة منحصرة في مذهب إمام واحد، بل كل مذهب جزء من أجزاء الشريعة وطريقة من طرق العمل عليها.

(1) [24] - مسلم 2/ 74

(2) [25] - السيوطي، الأشباه والنظائر، 4

(3) [26] - الونشريسي، إيضاح المسالك، 58

(4) [27] - ابن عبد البر، جامع بيان العلم، 2/ 102

(5) [28] - القرافي، الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، 261

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت