مستقلة، بحيث ينظر إليها أنها مركبة من عدة أصول، ولكنها لا ترد إلى أصل معين ولكن تدرس استقلالا كشأن الكثير من العقود المستحدثة. والأصول التي ترد لها النوازل هي:
أ- نصوص الكتاب والسنة: وذلك إما بدلالة المفهوم أو الإيماء أو الإشارة أو القياس: ومثاله أن الحيوان إذا زهقت روحه بالصعق قبل ذبحه ونحره فإنه ميتة يحرم أكله لعموم قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة [1] [13] .
قال ابن القيم: ذكر الاستدلال في الفتوى هو روحها وجمالها، لأن الدليل من كلام الله تعالى ورسوله وإجماع المسلمين والقياس الصحيح إن هو إلا طراز الفتاوى لأن قول المفتي ليس بموجب للأخذ به، فإذا ذكر الدليل فقد حرم على المستفتي أن يخالفه وبرئ المفتي من عهدة الفتوى بلا علم [2] [14] .
ب- التخريج الفقهي: وهو خاص بالمجتهد المقيد أو مجتهد التخريج، فعندما يفقد المفتي نصا لإمامه في الواقعة أو النازلة أو لا يجد لها حكما منصوصا عند الفقهاء أو القضاة، فإنه يلجأ إلى التخريج على نصوص إمامه وذلك بإلحاقها بما يشبهها في الحكم عند اتفاقهما في علة ذلك الحكم عند المخرج أو بإدخالها في عموميات نصوصه أو مفاهيمها.
وهذا يكون بجعل الفرع الفقهي الثابت بأصل شرعي منصوص أو معقول أصلا يقاس عليه، يقول ابن رشد: إذا علق الحكم في الفرع صار أصلا جاز القياس عليه بعلة أخرى مستنبطة منه، وما دام مترددا بين الأصلين لم يثبت له الحكم بعد وكذلك إذا قيس على ذلك الفرع بعد أن ثبت أصلا بثبوت الحكم فيه، فرع آخر بعلة مستنبطة منه أيضا فثبت الحكم فيه صار أصلا وجاز القياس عليه إلى ما لا نهاية [3] [15] .
-فإذا نزلت النازلة ولم توجد لا في الكتاب ولا في السنة ولا فيما أجمعت عليه الأمة نصا ولا وجد في شيء من ذلك كله علة تجمع بينه وبين النازلة ووجد ذلك فيما استنبط منها أو فيما استنبط منها، وجب القياس على ذلك. واعلم أن هذا المعنى مما اتفق عليه مالك وأصحابه ولم يختلفوا فيه على ما يوجد في كتبهم من قياس المسائل بعضها على بعض [4] [16] .
وفي المعيار: قياس الفروع على الفروع من عمل أصحاب مالك، بل من تتبع أقوالهم التي يقيسونها على أصوله وجدها من نوع هذا القياس، ولابن القاسم من ذلك في المدونة الكثير [5] [17] .
وفي التخريج استفادة من الثروة الفقهية السابقة، والفتاوى القديمة لا يمكن اطراحها بالكلية، بل إنه عند التأمل نستطيع أن نعثر على فروع ومسائل تشبه بالنوع تلك التي يطرحها الواقع المعاصر ودلالتها عليها دلالة تضمن أو التزام بوجه من الوجوه. مثاله: مسألة التضخم: فقد قاس بعض المعاصرين مسألة التضخم على الجائحة.
مسألة تغيّر السكة أو انقطاعها: وأفتى ابن عتاب بقرطبة حين انقطعت سكة ابن جهور بدخول ابن عباد بسكة أخرى أن يرجع في ذلك إلى قيمة السكة المقطوعة من الذهب ويأخذ صاحب الدين القيمة من الذهب، وكان أبو محمد بن دحون رحمه الله يفتي بالقيمة يوم القرض ويقول: إنما أعطاها على العوض [6] [18] .
كان أبو عمر بن عبد البر يفتي فيمن اكترى دارًا أو حمامًا بدراهم موصوفة جارية بين الناس حين العقد، ثم غيرت دراهم ذلك إلى أفضل منها أنه يلزم المكتري النقد الثاني الجاري حين
(1) [13] - سورة المائدة، 3
(2) [14] - ابن القيم، أعلام الموقعين، 1/ 50
(3) [15] - ابن القيم، أعلام الموقعين، 1/ 50
(4) [16] - نفسه
(5) [17] - الونشريسي، المعيار، 1/ 79
(6) [18] - الونشريسي، المعيار، 6/ 163