ومن هذه الجهة ربما يجوز لمفتي مذهب واحد أن يختار قول المذهب الآخر للعمل أو للفتوى، بشرط أن يكون المفتي متبحرا في المذهب، عارفا بالدلائل، له نظر عميق في القرآن والسنة، وإن لم يبلغ درجة الاجتهاد المطلق، ولكنه يطلع على حديث صحيح واضح الدلالة، ولا يجد له معارضا إلا قول إمامه، فحينئذ يسوغ له الأخذ بقول مجتهد عمل بذلك الحديث [1] [29] .
فإن الإغراق في التقليد مذموم، قال الدهلوي: فنشأ من بعدهم قرون على التقليد الصرف، لا يميزون الحق من الباطل ولا الجدل عن الاستنباط. فالفقيه يومئذ هو الثرثار المتشدق الذي حفظ أقوال الفقهاء قويها وضعيفها من غير تمييز، وسردها بشقشقة شدقيه، والمحدث من عد الأحاديث صحيحها وسقيمها وهذها كهذ الأسمار بقوة لحييه. ويقول: ومن العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعا وهو مع ذلك يقلده فيه ويترك من شهد الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبهم جمودا على تقليد إمامه بل يتحيل لدفع ظاهر الكتاب والسنة ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة ونضالا عن مقلده [2] [30] .
ومن شأن هذا أن يبعث على الاجتهاد خاصة في النوازل المعاصرة التي صار التقليد المذهبي فيها غير متيسر لأن الاجتهاد فيها هو وسيلة معرفة الحكم فيها، والعودة إلى نصوص الكتاب والسنة وقواعد الفقه هو مَهْيَع المجتهدين من مختلف المذاهب.
ا- مراعاة مقصد التيسير: فالشارع لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه لقوله تعالى: ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم. وقد دل على مقصد التيسير كثير من آيات الكتاب، منها قوله تعالى: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [3] [31] . لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [4] [32] . يريد الله أن يخفف عنكم [5] [33] . وما جعل عليكم في الدين من حرج [6] [34] . .
فقد دلت هذه الآيات على أن شرع الأحكام سهلة ميسرة على العباد فما من عمل من أعمال القلب أو الجوارح إلا وهو في وسع المكلف وفي مقتضى إدراكه ودلت كذلك على أن الحرج مرفوع عن هذه الأمة، في كل ما يلحق ضيقا بالمكلف في نفسه أو جسمه أو بهما معا في الدنيا والآخرة، حتى لا يؤدي التكليف بما هو شاق إلى الانقطاع عنه.
وفي الحديث: ما خير رسول الله بين أمرين أحدهما أيسر من الآخر إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه [7] [35] .
ومن أجل ذلك أباح الشارع الانتفاع بملك الغير بطريق الإجارة والإعارة والقرض، وسهل الأمر بالاستعانة بالغير وكالة وإيداعا وشركة ومضاربة ومساقاة، وأجاز الاستيفاء من غير المديون حوالة وبإسقاط بعض الدين صلحا أو إبراء، وبالتوثيق على الدين برهن أو كفيل.
وثبت ذلك أيضا من مشروعية الرخص، فهذا أمر مقطوع به ومما علم من دين الأمة بالضرورة كرخص القصر والفطر والجمع وتناول المحرمات في حالات الاضطرار، فإن هذا نمط يدل قطعا على مطلق رفع الحرج والمشقة أو التيسير والتسهيل على الناس [8] [36] . وقد حصر الفقهاء أسباب رفع الحرج والتخفيف في سبعة أسباب رئيسية هي:
(1) [29] - محمد كمال الراشدي، المصباح في رسم المفتي ومناهج الإفتاء، 461 - 470. وانظر ابن عابدين، مجوعة الرسائل، 1/ 30
(2) [30] - الدهلوي، حجة الله البالغة، 1/ 151 - 153
(3) [31] - سورة البقرة، 185
(4) [32] - البقرة، آية 286
(5) [33] - ااسورة النساء، 28
(6) [34] - سورة الحج، آية 78
(7) [35] - رواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن عباس وصححه، 2/ 198
(8) [36] - عبد العزيز عزام، القواعد الفقهية، ص 117