حسن قصدهم، وما بذلوه في نصر الدين، والله يعلم المفسد من المصلح.
أما من يقاتل الكفار، ثم قد يتجاوز حدود الشريعة، أو يعتدي في القتل، أو يصيب من لا يحل قتله، فهذا من جنس العدوان في القتال، كما قال تعالى {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} ، وكما حصل لخالد بن الوليد رضي الله عنه، فقد أصاب دماء محرمة في فتح مكة، وتبرأ النبي صلى الله عليه وسلم من فعله، مع أنه سماه سيفا من سيوف الله تعالى. وبسبب أن القتال الذي يحدوه الغضب، ويجلله العنف البالغ، هو مظنة الوقوع في العدوان، قال تعالى {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} .
والواجب على المجاهد، أن يغلّب النظر الشرعي على غضبه، ويراعي حدود الشريعة في قتاله، وينضبط بدلالة النصوص، ولا يحمله حنقه على عدوه، ورغبته في الانتقام منه، في التساهل في اختيار مواضع القتال المشروع، وتميزها عن غيرها.
وإلاّ يفعل ذلك فقد تقع فتنة وفساد، وقد يرتد عليه ضرر القتال، أو على المسلمين، أكثر مما ينكى في عدوه، ومعلوم أن كثيرا من خيار المجاهدين في تاريخ الإسلام، خسروا في معارك كثيرة، وأصاب المسلمين من ذلك شر، بسبب سوء تقديرهم للمواقف، أو استعجالهم الورود بالجند في مواضع لا تصلح، أو إلى عدو لاطاقة لهم به ونحو ذلك والله أعلم.
وهذه هي الفتوى الثانية:
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
وبعد:
قال الإمام ابن قدامة في المغني: (إذا ثبت هذا فإنه لاتجوز المهادنة مطلقا من غير تقدير مدة، لانه يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية) [8/ 469] .
وقال: (لانه قد يكون بالمسلمين ضعف فيهادنهم حتى يقوى المسلمون، ولا يجوز ذلك إلا للنظر للمسلمين، إما أن يكون بهم ضعف عن قتالهم، وإما أن يطمع في إسلامهم بهدنتهم، أو في أدائهم الجزية والتزامهم أحكام الملة أو غير ذلك من المصالح) [المصدر نفسه] .
وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز مهادنة الكفار أبدا، أي وضع القتال معهم أبدا، لان ذلك يقتضي تعطيل الجهاد، وهو ذروة سنام الإسلام، وفي تعطيله إعانة على هدم الدين،