الصفحة 29 من 61

فبين صلى الله عليه وسلم أن الحرص على المال والشرف في فساد الدين، لا ينقص عن فساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم، وذلك بين، فإن الدين السليم لا يكون فيه هذا الحرص، وذلك أن القلب إذا ذاق حلاوة عبوديته لله ومحبته له لم يكن شيء أحب إليه من ذلك حتى يقدمه عليه، وبذلك يصرف عن أهل الإخلاص لله السوء والفحشاء، كما قال تعالى: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} .

فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه عن عبوديته لغيره، ومن حلاوة محبته لله ما يمنعه عن محبة غيره، إذ ليس عند القلب لا أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا ألين ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله ومحبته له وإخلاصه الدين له، وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله، فيصير القلب منيبا إلى الله خائفا منه راغبا راهبا) انتهى.

والخلاصة ...

أن الإستسلام لله تعالى، والإخلاص له وحده، في ربويته، والتألّه له وحده، والتحاكم إليه وحده، هو سبيل الخلاص، لاغيره، كما قال: {قل أعوذ بربّ الناس * ملك الناس * إله الناس} .

فجوهر سبب الهزيمة؛ أن الاستكبار عن الانقياد لأمر الله، وعن التحاكم إلى شريعته، أخلاصا بالعبودية لوجهه سبحانه، قادنا إلى عقوبة الله تعالى بالذلّ، ولا ريب أن من يتحمل كبر هذه المسؤولية، هي الأنظمة السياسية التي استكبرت عن اتباع الدين الحق، فانقادت لليهود أرذل الخلق، ثم من سكتوا عن ظلمها، ووافقوا على باطلها.

كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: (فالمذاهب، والطرائق، والسياسات للعلماء، والمشايخ، والأمراء، إذا قصدوا بها وجه الله تعالى دون الأهواء، ليكونوا مستمسكين بالملة، والدين الجامع الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، واتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم من الكتاب والسنة) .

ثم يتفرّع عن هذا الأصل الجامع العظيم الذي هو أصل الدين، ومنبع العزّ والرفعة، والتمكين، جمع أسباب الثورة الشاملة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت