فهرس الكتاب
فالأول هو مناط الوعيد في الآية الآنفة فلا يحل لمسلم قادر مجالسة من هذا حاله إلا بإنكار صريح (مجالسة المستهزئ بدين الله) .. والثاني منكر يسع فيه التأني ويشرع فيه التدرج مع الخصم والتبيين ومجادلته بالتي هي أحسن (مجالسة من يتكلم بكلام يلزم منه الكفر أو يتكلم بالكفر تدينا) .
لذا فعلى الصحيح من التفسير فإن إبراهيم عليه سلام كان مناظرًا لا ناظرًا في قوله تعالى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ .
فلم يسارع إبراهيم عليه السلام في البراءة التامة مما هم فيه من عبادة لغير الله بل ألقى كلمة دون براءة ثم غادرهم ثم كر عليهم فألقى الأخرى دون براءة ثم غادر ثم كر عليهم ليتبر ما علوا تتبيرا فتبرأ بعد أن استكمل البيان ..
فالشاهد من هذا أنه يشرع التدرج في البراءة لاستكمال البينة واستدراك كمال التبيين.
وأيضا روى الإمام عبد بن حميد في مسنده بسنده عن جابر بن عبد الله قال:
اجتمعت قريش يومًا فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه؟
فقالوا: ما نعلم أحدًا غير عتبة بن ربيعة. فقالوا: أنت يا أبا الوليد
فأتاه عتبة فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت. [1]
فسكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول عتبة"أنت خير أم عبد الله"لم يكن إقرارا له بل اكتفى بالبيان العام والنصوص العامة التي دحضت هذا الكفر في غير هذا المجلس.
(1) صحيح السيرة النبوية تحقيق الألباني: (159)