لم أجد بين هذا المقال الذي طين فيه القرطاس وبين هذه الفقرة إلا رابطا واحدا هو ما رواه أصحاب السير:
"عن ابن هشام: وكان كسرى سابور ذو الأكتاف غزا الساطرون ملك الحضر فحصره سنتين."
وقال وذلك لأنه كان أغار على بلاد سابور في غيبته بأرض العراق فأشرفت بنت الساطرون -وكان اسمها: النضيرة - فنظرت إلى سابور وعليه ثياب ديباج، وعلى رأسه تاج من ذهب مكلل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ وكان جميلا فأرسلت إليه: أتتزوجني إن فتحت لك باب الحضر؟ فقال: نعم فلما أمسى ساطرون شرب حتى سكر وكان لا يبيت إلا سكران فأخذت مفاتيح باب الحضر من تحت رأسه، وبعثت بها مع مولى لها ففتح الباب، فانفتح الباب فدخل سابور فقتل ساطرون، واستباح الحضر، وخربه، وسار بها معه فتزوجها فبينا هي نائمة على فراشها ليلا إذ جعلت تململ لا تنام فدعا لها بالشمع ففتش فراشها فوجد عليه ورقة آس فقال لها سابور: أهذا الذي أسهرك؟ قالت: نعم قال: فما كان أبوك يصنع بك؟ قالت: كان يفرش لي الديباج، ويلبسني الحرير، ويطعمني المخ، ويسقيني الخمر قال: أفكان جزاء أبيك ما صنعت به؟! أنت إلي بذلك أسرع، ثم أمر بها فربطت قرون رأسها بذنب فرس، ثم ركض الفرس حتى قتلها"."
وصدق من قال:
إذا كان الطباع طباع سوء ... فلا أدب يفيد ولا أديب
فهذا هو حسن العهد عند القوم وهذا جزاء تدليل وتصدير الشيخ لتلميذه رغبة في رفعه ودفعه لنصر الدين ..
وأختم بشيء يناسب حال صاحب الطين هذا أيضا؛ وهو قصة المعتمد بن عباد مع زوجته المدللة ايزابيلا يوم رأت من نافذة قصرها فتيات فقيرات يلعبن بالطين فاشتهت أن تلعب بالطين مثلهن، فما كان من زوجها الكريم المدلل لها إلا أن أمر بأنواع الطيب والعنبر والمسك والكافور أن تعجن وتجعل كهيئة الطين ثم قال لها دونك هذا الطين فالعبي به.
ثم إن الزوجة بعد حين من الدهر كفرت العشير وقالت له: ما رأيت منك خيرا قط!
فما كان من المعتمد إلا أن قال لها: (ولا يوم الطين) ؟؟
فنكست رأسها واستحيت ..