فهذه الوصية لا شك وصية غالية من ثاني الخلفاء الراشدين ومن لو كان في الأمة مُحَدّثُونَ، لكان منهم عُمَرَ كما في الحديث الذي في الصحيحين، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: تَفْسِيرُ مُحَدَّثُونَ: مُلْهَمُونَ.
وهي وصية أضعها نصب عيني في أوقات الخصومات مع المخافين من المسلمين أفرادا وجماعات، وأتمنى لو تراعى في أدب الخلاف عند كل مسلم.
فكم نحن بحاجة إليها اليوم في هذه الأوقات الحرجة حين نرى الناس بسبب هذه الفتن التي جرت في الساحة الشامية قد انقسموا طائفتين؛ طائفة كلفت حبا بمن تتعصب لهم، وحبها للشيء يعمي ويصم عن كل مخالفة، جربتهم فمهما أوردت لهم من ملاحظات بادروا إلى ترقيعها مباشرة دون تدبر أو نظر، وصدهم هذا الكلف والتحيز الذي لا يميز عن العدل في المخالفين فيقبلون فيهم ما لا يقبلونه في جماعتهم، ولا يوردون على نقدهم أصول النقد التي يستعملونها في دحر انتقادات من كلفوا بحبهم فصاروا من المطففين.
وطائفة أخرى دفعها بغضها والظلم الذي حل عليها إلى أن تتمنى لعدوها المسلم التلف والاندحار ولو على أيدي أعداء الدين من الروافض والمرتدين والصليبيين .. وهذا لا شك اختلال وانحراف في الولاء والبراء جعل بعضهم يميع الفتاوى القديمة التي كان يشدد فيها جدا في الاستعانة بالكفار؛ فيقلبها إلى فتاوى معاصرة تسهل الاستعانة بهم على المسلمين الظالمين ..
والمعصوم من عصمه الله ..
(واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير) .
وكتب أبو محمد المقدسي
11 ذو القعدة 1435
من هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام