وليس ما سبق هو تثبيط لهمم الرجال التي تتوق إلى الجهاد، أبداً، ولكنه تقريب للصورة التي ينبغي أن يضعها المسلم في ذهنه قبل الانطلاق إلى طريق الجهاد، وليعلم كل من حدث نفسه بالذهاب إلى الجهاد، بأن حديث النفس وحده لا يكفي ليكون لك عذراً أمام الله، نعم حديث النفس ينفي عنك النفاق، ولكن العذر بترك الجهاد يحتاج إلى ما بعد تحديث النفس، وليعلم شباب الأمة أيضاً أن الصادقين قبلهم قد حاولوا وبذلوا الاستطاعة ودخلوا إلى أرض الجهاد ولكن بعد ماذا؟ بعدما تعبوا وخافوا وطوردوا، صدقوا الله فوصلوا.
ومن أجل ذلك فقد عد الله سبحانه وتعالى طريق الجهاد وحده جهاداً منفرداً، لذا رتب الله عليه أعظم الأجر والثواب، وعد من خرج إلى الجهاد بأنه مجاهد ولو مات مات شهيداً، كل ذلك الفضل والثواب يأتي تحفيزاً لرجال الأمة على الجهاد، فالمجاهد ماذا يريد من جهاده؟ إنه يريد من جهاده إحدى الحسنيين، إما النصر أو الشهادة، فإذا نال إحداهما فقد انتصر، لذا بين الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم، أن من خرج للجهاد فإنه سينال إحدى الحسنيين ..
قال الله تعالى: ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما {، فبين الله في هذه الآية أن من يخرج للجهاد فإنه سيجد مراغماً مكاناً يأوي إليه وسعة في الرزق، وإن أدركه الموت فقد وقع أجره على الكريم الذي لن يجازيه بما دون جنة الخلد، وقال الله أيضا: ً} والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين ، ويبين الله تعالى في هذه الآية لمن خرج للجهاد أنه إما أن يقتل أو يموت وفي كلا الحالين فقد وعده الله رزقاً حسناً ..
وقال تعالى: والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ، وفي هذه الآية يبين الله تعالى أيضاً أنه سيرزق المجاهد ويعطيه رزقاً حسناً وليس هذا هو الأجر وحده، لأن أجر الآخرة هو أكبر حتى لو فات الرزق الحسن في الدنيا لحكمة يعلمها الله تعالى.
وفي السنة يوضح الرسول صلى الله عليه و سلم هذا الأمر بأوضح عبارة وأجمل بيان، ويقرب للعبد الصورة بعرض احتمالات المصاب ليهيج النفوس على الخروج إلى الجهاد، فيقول كما جاء عند أبي داود وغيره عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول:"من فصل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد أو وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه أو بأي حتف شاء الله فإنه شهيد وإن له الجنة". قال ابن مفلح في الفروع فيه بقية مختلف فيه إلا أنه حديث حسن إن شاء الله، وقال ابن أبي