الصفحة 121 من 155

خلاف الحق، قال القرطبي رحمه الله في تفسيره (18/ 230) :"نهاه عن ممايلة المشركين، وكانوا يدعونه إلى أن يكف عنهم ليكفوا عنه، فبين الله تعالى أن ممايلتهم كفر، وقال تعالى: ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلاً ، وضل أقوام فظنوا أن المداهنة المحرمة، هي نفسها المداراة الجائزة، فولجوا باب الهزيمة جاهلين أو متجاهلين أنهم ولجوه باسم المداراة الشرعية".

ولتوضيح ذلك نقول: إن باب (المداراة) شيء، و باب (المداهنة) شيء آخر، فتجوز المداراة بخلاف المداهنة، فالمداراة من باب التلطف بالقول مع المخالف، واللين، والرفق، ولا يكون فيها إقرار باطل، أو تقرير له، ونحو ذلك، فإن حصل شيء من هذا فقد انتقل إلى باب (المداهنة) ، والرسول صلى الله عليه وسلم في حديث (بئس أخو العشيرة) لم يتكلم بباطل، ولم يقر شيئاً باطلاً، ولم يفعل معصية في عمله - وحاشاه صلى الله عليه وسلم -وهو من باب دفع الشر، أو غيره، ولكنه بطريقة مشروعة، لم تخالط بمعصية، وقد وردت أحاديث في مدح مداراة الناس لأنها قد تكون من باب حسن الخلق في بعض الأحيان.

والفرق بين المدارة والمداهنة أن المداراة: بذل الدنيا لصلاح الدنيا، أو الدين، أو هما معاً، وهي مباحة، وربما استحبت، والمداهنة: ترك الدين لصلاح الدنيا، ومما سبق يتبين هزيمة أقوام كثر من المنتسبين للإسلام اليوم، حينما داهنوا أعداء الله سبحانه وتعالى، وخدعوا أنفسهم وخدعوا الناس وقالوا إن هذه مداراة شرعية، وما هي إلا هزيمة نكراء، ومداهنة عمياء، قلب الحق فيها باطلاً والباطل حقاً، وبُذل الدين لصلاح الدنيا وصلاح مصالح شخصية وضيعة، فماذا يبقى من معاني النصر بعد هذه الهزيمة المنكرة؟.

ثالث معاني الهزيمة: الركون والميل للكافرين وأصحاب الباطل:

قال تعالى: وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا، ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا، إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا ، فمن ركن أو أطاع الكافرين أو الظالمين فرغم أنه متوعد بالنار والعذاب في الآخرة، إلا أنه بركونه إليهم وطاعته لهم يعلنها مدوية أنه هزم شر هزيمة، وأن مبدأه الذي تمسك به زالت معالمه بعد هذا الركون والطاعة، ولو زعم بقوله بأنه ما تزحزح عن مبادئه إلا أن ركونه وطاعته للذين ظلموا أو كفروا يكذبه ويعلن أنه هزم ولا معنى للمبادئ إذا كذبها العمل، فهي لا تعدو أن تكون ادعاءات باطلة وحبراً على ورق، فلا يستقيم أبداً تشدق بالمبادئ وركون للظالمين والكافرين بما يريدون، فما هذه إلا هزيمة مخزية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت