بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين القائل في كتابه: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} .
والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد بن عبد الله القائل: (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) [رواه أحمد وابن ماجة] .
أما بعد:
فضيلة شيخنا المبجل ...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
انطلاقاً من قول رسولنا صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) [رواه مسلم] .
كتبنا لك هذه الرسالة، فكان لنا بعض الملاحظات التي رأينا أنه يجب علينا أن نسديها لك خشية أن يشوب صرحك الشامخ ما يخدشه.
شيخنا الفاضل ...
لقد حاولنا جاهدين أن نكتب لك مقدمة نذكر فيها حساناتك إحقاقاً للحق، فعجزنا لها حصراً وكلت العبارات عن وصفها، وتخاذل القلم بعدما أبصرها كماء البحار كثرة، فنحن نعلم يقيناً أن صحوتنا المباركة؛ بصوتكم سمع نداؤها، وبمجهودكم؛ غيرت الواقع، وبفكركم وتوجيهكم؛ اتزن نهجها، فلكم الفضل - بعد الله فوق فضل غيركم من العلماء والدعاة - فيما حققته هذه الصحوة.
علماً أن ما تعلمنا المنهج إلا من فضيلتكم، فنحن في هذه الرسالة نذكركم بما قلتم لا أقل ولا أكثر، فما عندنا منكم وإليكم، ولفضيلتكم الحكم بعد حكم الله ورسوله.
ثم إننا نبارك لأنفسنا ولكم أن من الله عليكم بالعودة إلى التدريس، فما أسعد من سيشنف سمعه بعبارات من بخل الزمان بمثلهم، من خلال دروس تصب في القلوب صباً، كما يرتشف العسل بالماء البارد.
شيخنا الكريم ...
أنت الذي قلت: (اسجنونا ولكن أصلحوا الأوضاع) ، فكان ذلك وسجنتم ولكن لم تصلح الأوضاع، بل ساءت وخرجتم ورأيتم السوء، وعندما خرجتم استشرفت القلوب للقياكم والجلوس معكم والتلذذ بحديثكم، فأنتم الذين صقلتم نفوسكم وربيتموها، فأحببنا أن ننهل من نفوس تربت ووطنت على الشقاء وأحبت الصبر، وعندما لقيناكم كان لفضيلتكم من الأقوال ما أحزننا، ولمسنا فيها أمراً سنبينه فيما بعد.
شيخنا الكريم ...
إن ما أحزنا من أقوالك التي نقلت عنك بعد خروجك قولك: (لا ينبغي أن ننشغل بمعركة جانبية مع الشيعة، وأبيت أن تطلق عليهم أسم الرافضة، وملت للتطبيع معهم) ، وقلت: (تركي الحمد لا أستطيع أن أكفره بالروايات) ، وقلت: (القرضاوي شيخ فاضل يمثل الإسلام في الخارج) ، وتدافع عنه بقوة وتغضب على من ينتقده، وتعتذر له باعتذارات بعيدة، كقولك عندما قيل لك؛ أنه يقول نحن واليهود والنصارى إخوان، قلت: (لعله يقصد أخوة الطين) ، رغم أنه قال في موضع آخر: (أخوان في الإيمان، نحن مؤمنون من جانب وهم مؤمنون من جانب آخر) ، وقلت: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أخرجت ردي على الغزالي) ، وقلت: (نعذر جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده لدخولهما الماسونية فظروفهما ربما كانت تقتضي ذلك) ، وقلت: (لا بد أن نستفيد من الحل الإسلامي المتمثل في حزب الرفاه وأربكان) ، وقلت متحدثاً عن مرابح الداعية: (صرفنا للشباب من الاستماع لنجوى كرم - التي سبّت الرسول صلى الله عليه وسلم - إلى فنان آخر نعتبره مربحاً) ، وقلت لبعض الشباب الذين سألوك عن العمل في المباحث العامة؛ بأنه يجوز ذلك، وقلت: (قيادة المرأة للسيارة لماذا جعلتموها معركتنا رغم أنه لا دليل معنا على المنع) ، وقلت: (النقاب بوضعه الحالي ليس محرماً، وفتوى الفوزان في تحريمه غير صحيحة) ، وقلت: (الإسبال بدون خيلاء ليس فيه شيء) ، وقلت: (سفر المرأة بدون محرم ليس فيه محظور إذا كانت مع مجموعة نساء) ، وقلت: (لا مانع من اقتناء الدش ومشاهدة قناة الجزيرة واقرأ والشارقة) ، وقلت: (إنه لا شيء في سماع الموسيقى التي تتخلل نشرات الأخبار في الراديو لأن هناك فرقاً بين السماع والاستماع) ، وقلت: (كتب أئمة الدعوة النجدية فيها تشدد وتجرئ على التكفير، وتنصح بعدم قرائتها) ، وقلت: (الذهاب إلى الشيشان حماقة) ، وقلت: (ليس شرطاً أن يمتد الإسلام ويقوم بالسيف بل اللسان والدعوة تفعل ذلك) ، ثم قللت من أهمية العمل الجهادي، وقلت: (نوافق منصور النقيدان في طرحه عن الإمام أحمد ولكن نخالفه في الأسلوب) ، وقلت: (مجموعة الكتاب أمثال النقيدان والحامد والضحيان نحتويهم ولا نواجههم) ، وعندما قيل لك أن النساء حضرن مجلس الشورى قلت: (أعدوا أنفسكم إلى أعظم من هذا المنكر) ، ولم نر منك ما عهدناه عليك من الغضب والتحريض على إنكار المنكرات وفضحها، وعندما ناقشك أحد الأخوة عن التأجير المنتهي بالتمليك، وقال لك: هل يجوز أو لا يجوز؟ قلت: (يا أخوة نحن نسعى لتصحيح عقود المسلمين فلماذا نقول بتحريم هذا العقد، فكل سبيل نستطيع تصيح العقود به سلكناه) ، وأنت تعلم أن هذه ليست قاعدة يتبعها الفقهاء في الحكم على بطلان العقود وصحتها، فليس مبتغى العلماء هو تصيح العقود بقدر ما يكون همهم تحقيق المسألة بقربها أو بعدها عن أدلة القبول والرد، وبالإجمال فإن ما نقل عنك من أقوال بعد خروجك تتسم باللين مع أهل الشبهات والبدع والمنكرات.
شيخنا الفاضل ...
كل هذه النقول التي نقلناها عنك ربما يكون لك ملاحظات عليها، بأنها مثلاً؛ لم تستوعب مقصدك، أو يكون لك سلف فيها، أو تقول بعضها نقل عني خطأً، أو بعضها مكذوب علي، أو غير ذلك من التوجيهات التي توجه بها بعض المقولات لا كلها، ولكننا نقول؛ بغض النظر عن كل تلك التوجيهات التي نتوقعها منك، فنحن لم نورد عليك مثل هذه النقول لنطلب منك إقرارها من عدمه - وإن كان هذا مرادنا ولكن فيما بعد - إنما مرادنا الآن أن نقرر منها المنهج الجديد الذي تبنيته بعد الخروج، علماً أننا لا ننكر المسائل التي لها استدلال معتبر من الكتاب والسنة وإن كانت مرجوحة، كما أننا لا ننكر عليك أفراد بعض المسائل التي قال بها غيرك من الأئمة ولك سلف فيها، ولكننا ننكر المنهج الذي تدلل عليه هذه المسائل إذا انضمت إلى بعضها من مجموع الفتاوى والأقوال التي نقلت عنك لو صحت.
شيخنا الفاضل ...
إن هذه الأقوال التي نقلت عنك لا شك أنها لم تأت من فراغ، ولا يمكن أن يكون كل ما فيها افتراء محض، لأنه لم ينقل عن غيرك من العلماء ولا عن صاحبيك - سفر وناصر - مثل ما نقل عنك، فلا يمكن أن تستهدف وحدك وهم في معزل، ولو فرضنا أنك مستهدف ويُكذب عليك لا يمكن أن يكون لهذه الشائعات أثر وانتشار إذا ظهر لك قول واضح جلي في كل مسألة نقلت عنك خطأً، كما أننا لم نستقص ما جاء عنك بل هذا بعض ما نقل، وإن المهم عندنا من هذه النقول أن نبين لك الإطار التي أُطّرت به، فلا شك أنها دارت في فلك منهج جديد أو لنقل طريقة جديدة في التعامل مع الواقع.
ونحن نعتقد - أيها الشيخ المبجل - أن المنهج الجديد الذي خرجت به من السجن هو منهج متأثر بعاملين:
-العامل الأول: اتضح لك أثناء السجن وبعد الخروج، أنه يصعب على الدعاة تغيير الواقع بالشكل والمثالية المطلوبة لعدم وجود القدرة أو المقومات لديهم، لذا لا بد من سلوك منهج جديد قائم على الرضوخ للواقع وتحويره، لا صناعته.
-العامل الثاني: وهو أنك بعدما أيقنت أن أوراقك قد حرقت في داخل الجزيرة ولا يمكن أن يفتح لك المجال كما كان من قبل بشكل رسمي، فكرت أن تكون عالمياً وتخرج من الإقليمية بأية طريقة، والعالمية تقتضي منك التوسع في الطرح ونوع من التساهل حتى تقبل في الخارج - كما قبل القرضاوي والغزالي وغيرهما ممن تدافع عنهما -
لهذين السببين نعتقد - والله أعلم - أن منهجك تأثر هذا التأثر الملحوظ والمستنكر، فلسنا وحدنا الذين استنكرنا عليك هذه الأقوال، بل إن منهجك الجديد هو حديث كل مجلس، وبعبارة أدق؛"منهجك الإخواني"- كما يحلو للشباب أن يختصروه بهذه العبارة - فإن كنت ممن يأس من الواقع وأنك لا يمكن أن تغيره بل تحوره وتدخل عليه التحسينات التي تقبلها، أو أقل حد مطلوب من الشرعية، فهذا ما سعى له"الأخوان"قبلك، فهم عندما اصطدموا بالواقع المر وجدوا أنه لا مناص لهم من أن يستفيدوا من كل ما يتاح أمامهم من فرص لتطبيق الشريعة، ووقعوا فيما هو شر منه عندما أصبح منهجهم تختصره عبارة"الغاية تبرر الوسيلة"، فدخلوا في البرلمانات وهدموا الولاء والبراء وميعوا العقيدة وداهنوا الطواغيت، ولم نعد نسمع لهم أية دعوة تنادي بالعقيدة وتطبيق الشريعة الخالصة إلا شيئاً من الجزئيات المقتضبة خلال أحاديث لهم في مدح لرموز الكفر ودول العناد الغربية.
أما إن كنت تريد أن تخرج من الإقليمية بهذا الأسلوب الذي جعلك تتغافل عن شريحة كبيرة من الشباب في الداخل، وتبدأ بتليين منهجك غير مكترث بمن خلفك، فهذا والله إنه لخطر عظيم على الشباب، والمصيبة أنك كلما قُبلت في الخارج بسبب لين أقوالك كلما نُبذت من قبل العلماء وطلبة العلم في الداخل، وأحدثت أيضاً فتنة بين جموع الشباب هنا.
فنقول لك: أتق الله فإن الله سائلك عمن خلفك من الشباب، فأنت الذي تصدرت بداية وقدتهم إلى الهداية مشكوراً، ونسأل الله أن يجازيكم خير ما جزى به مصلحاً عن الأمة، فأنت مكلف بمن حولك ولم يكلفك الله بالأبعدين، ففي مجال الدعوة والأمر بالمعروف يقول الله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين} ، وفي مجال الجهاد وإنكار المنكرات قال: {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} ، فأنت مأمور أولاً بالنصح لمن حولك، قبل أن تفكر في العالمية.
وإن أردت أن تعالج القضايا العالمية فلا بد أن تحتاط وتحذر حتى لا يؤثر علاجك لبعض القضايا الخارجية على مكاسبك ومكاسب الدعوة والدعاة في الداخل، فإن ما حققه الدعاة في الداخل؛ هو مجهود الجميع وحق لله.
ثم إن أي قضية كنت تتبناها قبل السجن وتدلل عليها وتجعلها محور طرحك وتأخذ بالعزيمة فيها، إذا رجعت عنها وأخذت بالرخصة فيها أو القول المرجوح لمصلحة ما؛ اعلم أنك في الحقيقة تراجعت ليس عن هذه المسألة فحسب، بل إنك تراجعت عن غيرها من المسائل ضمناً.
وهل تظنون - يا فضيلة الشيخ - أن دوركم انتهى بعد خروجكم من السجن؟ لا وألف لا، بل إن دوركم لم يبدأ إلى بعدما خرجتم من السجن، فنحتاج قائداً للشباب أكثر حماساً وأكثر صموداً وأكثر وضوحاً في المنهج، أما الرضى بأرباع الحلول وأعشارها فهذا ليس منهج القادة الذين يسعون إلى إقامة حكم الله في أرضه، فكل لين منكم، اعلم أنه يحدث عشرة أضعافه في منهج الشباب.
فحاول - أيها الشيخ المسدد - أن تعيد النظر في ما تريد أن تعلنه من منهج جديد، وليكن منهجك مبني على الأخذ بالعزيمة، فالعلماء لا يحسن بهم أن يأخذوا بالرخص، فالرخصة للعامة وللرعاع، وأنت مأمور بالعمل والنتائج على الله، وإذا وقفت بين يدي الله فلن تسأل أبداً عن أية نتيجة لم تحققها، بل إنك ستسأل عن علمك ماذا عملت به، وأنت أول العارفين أن النبي يأتي يوم القيامة وليس معه أحد، والنبي يأتي ومعه الرجل والرجلان، فلم يكن قلة الأتباع ولا فشل النتائج قادحاً في صحة دعواهم ولا دليلاً على بطلان مناهجهم.
فأنت حينما فكرت في السجن ورأيت أنك بالشدة لم تحقق أي نتائج، كل هذه الأفكار نعدها من تلبيس الشيطان عليك، فخير العمل ما كان موافقاً لما عليه صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإن لم ير ثمرته العاجلة.
أما اللين ليكثر الأتباع؛ فهذه القاعدة التي تقول:"أجمع ولا تفرق"، قاعدة تبنى العمل بها"الإخوان"، وجمعوا في صفوفهم كل عقلاني معتزلي، وهم من أقدم الجماعات التي تعمل في الساحة وحتى هذا اليوم لم يحققوا شيئاً يذكر، بل ربما أفسدوا أكثر مما أصلحوا، كما نعلم أننا لو عملنا بقاعدة"إحشد"، فإننا لن نكون متميزين عن بقية العصاة والفسقة والمنافقين والمرتدين، فأين وصف الغربة التي وصفت بها الفرقة الناجية، بل إن الله يقول: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن} ، فأين البصيرة وأين السبيل الذي يدعيه أصحاب مقولة؛"إجمع ولا تفرق"؟ حينما تفرقت بهم السبل ونافحوا عن أعداء الله بحجة"مصلحة الدعوة".
ونذكرك - أيها الشيخ الحبيب - أنه لا يوجد بين الرفق المأمور به شرعاً والميوعة المذمومة، إلا فارق بسيط، لذا عليك أن تراعي أمراً مهماً، وهو ألا تتداخل المفاهيم ويختلط الأمر عليك، فترى بعض الميوعة والتساهل مع الأعداء رفقاً وتسامحاً، فمنهج الربانيين يحتاج إلى حزم وشدة.
كما كان أيوب السختياني مع المبتدع عندما طلب منه المبتدع في الطريق أن يسمع منه كلمة، قال له: (ولا نصف كلمة) ، وروي ذلك أيضاً عن أبي عمر النخعي.
واعلم أيضاً؛ أن الميوعة في المنهج تأتي بنفس النتيجة التي تأتي بها خطة تجفيف المنابع التي يتبناها الطواغيت، فالطواغيت يعملون على تفريغ الساحة من العلماء، ليصبح الشباب بلا قائد يقودهم، فيتخبطون في كل عمل ولا يستقرون ولا يتفقون على رأي، وبهذا لا يمكن لهم أن يعملوا أي عمل مثمر، وكذلك تفعل ميوعة المنهج، فالشباب عندما لا يجدون في منهجهم تميزاً عن بقية أعداء الدعوة، وحينما تصبح المنكرات أموراً لا بد أن يتسع لها صدر المخالف، فمن سينكر كشف المرأة لوجهها؟ ومن سينكر تبرج النساء؟ ومن سينكر الإسبال؟ ومن سينكر حلق اللحية؟ ومن سينكر سماع الأغاني؟ كل هذه المنكرات سيفهم الشباب أنها مسائل خلافية لا ينبغي الإنكار فيها.
وبذلك فإن بريق الدعوة إلى الكتاب والسنة لن يكون له وقع في نفوسهم ليحركهم إلى العمل ونصرة الدين، فإذا كان المعتزلي العقلاني؛ يعد إماماً، والخبيث؛ مفكراً، والمرتد؛ مسلماً ولا يكفر، والعمل القائم على حرب الدين؛ لا بأس بالانخراط فيه، والموسيقى وعدم الحجاب والإسبال؛ كلها لم ينه عنها الشرع بأدلة قطعية، فأين المنهج المتميز وأين الغربة التي تعتبر دليلاً على صحة المنهج؟ قال تعالى: {ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} .
شيخنا الحبيب ...
إن الاعتذار المتكلف لبعض الأشخاص الذين يتبنون منهج التسهيل وتبسيط الدين لا شك أنه ينبئ بخطر وشر عظيم، وأظنه لا يخفى عليك حكم السلف على أصحاب مثل هذا المنهج الذين سيفسدون أكثر مما يصلحون.
قال الأوزاعي: (من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام) .
وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي: (دخلت على المعتضد فدفع إلي كتابا، نظرت فيه وكان قد جمع له الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل منهم لنفسه، فقلت له: يا أمير المؤمنين مصنف هذا الكتاب زنديق، فقال: ألم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: بلى، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد فأحرق ذلك الكتاب) .
ولقد قلت في درس لك - أظنه شرح البخاري: (إن بإمكان الرجل أن يضيع دينه وهو لم يخرج من إطار أقوال العلماء) .
فمن تسموا بـ"فقهاء التيسير"الذين خرجوا لنا بأصول المعتزلة والعقلانيين في والأسماء والصفات والفقه، تبنوا جمع كل نادرة وشاذة من فتاوى الأئمة ليفتوا بها الناس ليزداد حبهم وقبولهم في الأرض.
شيخنا الكريم ...
إن من المسلمات لدينا؛ بأن الله لم يجمع الحق على لسان ولا قلب رجل واحد بعد الأنبياء، وإذا كان الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالشورى عله يجد عند غيره حقاً غاب عنه، فما بالك بمن بعده صلى الله عليه وسلم، لذا تحتم علينا - لا سيما في هذا الزمن الذي اختلط حابله بنابله - أن نعتني بأمر الشورى، فلا تقطع أمراً ولا تفتي برأي له أهميته حتى تستشير غيرك من العلماء، وهذا متحتم عليك أكثر من غيرك، لأن قولك مسموع وفتواك تبلغ الآفاق، وزلتك ليست كزلة غيرك، فاحرص على مشورة غيرك ولا تستهن حتى بآراء الشباب.
وليس عيباً أن ترجع عن قولك لقول غيرك من العلماء، ولكن العيب هو أن يظهر لك قولٌ شاذ رغم وضوح الحق فيه، أو كثرة القائلين بخلافه، فاحرص على الشورى فلا رفعة لك إلا بمن معك من العلماء وطلبة العلم إذا كنتم على ما كان عليه صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين.
شيخنا الفاضل ...
إن من الخطأ والزلة العظيمة؛ أن نعلق الدعوة برجال، فعندما علقنا الدعوة بأشخاص أصبح الذي يسع الدعوة هو ما يسع من علقت بهم، وما يحرم على من علقت بهم الدعوة لا ينبغي للدعوة ممارسته.
فمثلاً لو فرضنا؛ أن أفضل مجال أتيح لكم بعد الخروج هو"الإنترنت"، فليس معنى ذلك أن نقول إن أفضل مجال للدعوة التي ينبغي أن تحشد لها الطاقات والأموال هو"الدعوة عبر الإنترنت"، أو لو قلنا؛ إن مجال الخطابة والخطب التي تعالج الواقع وتعالج بعض القضايا السياسية وفيها نوع من التصعيد، لو قلنا أنها تحرم على من خرجوا من السجن أن يمارسوها، ليس معنى ذلك أن نقول لا مصلحة للدعوة من تبني هذا الخطاب والنقد السياسي أو الواقعي، فليس لنا حق أن نقول ذلك لأنه لا يسعكم الدخول فيه.
لعلك - يا فضيلة الشيخ - فهمت مقصدنا، وهو أن ما لا يسعكم ليس بالضرورة لا يصلح للدعوة، لذا حاول - يا شيخنا الفاضل - أن توضح للحضور من الشباب عندك، إذا سألوك عن طريقة للدعوة أو للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن تقول؛ هذا جيد ولكن لا يسعني تبنيه والدخول فيه، لأن الشباب فهموا منك في الأيام الماضية أن كل مالا يسع المسجونين ممارسته؛ أن الدعوة ليست لها مصلحة في الدخول فيه.
نرجو أن يكون المقصد قد اتضح، وهو أننا لا نقدس الأشخاص ونعلق العمل بهم، وهذا ما تعلمناه منك.
وإننا نحيطك علماً؛ بأنه كثر في الآونة الأخيرة نقدك العلني في المجالس بل وبين العامة، ولعله لا يخفى عليك ما يكتب عنك في"الإنترنت"، فكما أنه يوجد من يغلو فيك ويدعوك بالإمام، يوجد أيضاً من يقول بأنك تعرضت لغسيل مخ في السجن، وهذا ليس بقول شاذ نقلناه عن"الإنترنت"، بل سمعنا ممن كان مولعٌ بحديثكم من يقول ذلك.
بل إنه حدثني من أثق به؛ أن هذا أيضاً حديث الأخوة في مجالسهم في المغرب، وسمعت أكثر من واحد من طلبة العلم يقول: (ياليتني لم أقبل رأسه بعدما خرج) ، وآخر يقول: (أنا لا أعده شيئاً بعدما سمعت من قوله ما سمعت) ، وبضعة من طلبة العلم يقولون: (إننا لن نزوره في بيته كما كنا سابقاً) ، وكثر الشباب الذين جردوا اسمك من كلمة شيخ التي كانت تسبقه، رغم أننا نعلم أن كلمة شيخ لا تهمك، ولكننا نعتبر أن من تركها بعدما كان يحرص عليها، أنه تنازل عن حبك وتأييدك بسبب تغير حصل في منهجك، واعلم أن الجموع الغفيرة التي احتشدت عند منزلك للسلام عليك بعد خروجك؛ إنما جاءوا ليقبلوا رأس"فضيلة الشيخ سلمان"الذي عهدوه قبل السجن، ثم اعلم أن تلك الجموع إن واصلت منهجك الجديد المتساهل، فلن تجد منهم ولا كلمة الثناء الواحدة، وهذا ما بانت بوادره، ولا نخفي فضيلتكم أنه يوجد من بعض طلبة العلم من يتمنى ألا يُسمح لك بالدروس والمحاضرات خشية انتشار منهجك الجديد.
كما نفيدكم - يا فضيلة الشيخ - أنه يوجد من طلبة العلم الذين كانوا لا يقبلون المساومة على حبكم، أنهم بدءوا بنقدكم علناً، وأراد البعض منهم أن يخرج رداً مكتوباً عليكم ينتقدكم في بعض المسائل التي تبنيتموها بعد خروجكم أو أثناء سجنكم.
شيخنا ...
إننا نتوقع منك - بعدما سقنا لك ما تقدم - أن ترد علينا كما رددت على غيرنا عندما قال لك؛ بأنك تغيرت، قلت له: (لا بد أن يحدث للشخص تغير، فالتغير لازم بسبب تغير المفاهيم وتغير الواقع والأحداث، ولا يمكن أن يكون الشخص جامداً لا يتغير، أنا أتفق معكم أني تغيرت ولكن ما نوع التغير الذي حدث، هل هو محمود أو مذموم؟ ومن يحدد له الصفة؟) ، هذا مضمون ما نقل لنا عنك لا نصه.
ونحن نجيبك؛ بأننا نتفق معك على أن التغير لازم للشخص، ولكن التغير الذي يكون لازماً هو التغير في فروع المنهج لا في أصوله، فمن عنده وضوح في الرؤيا والأهداف، عنده أيضاً وضوح في المنهج فلمنهجه أصول وفروع، فالتغير المحتمل والمستساغ أحياناً هو التغير في الفروع، أما التغير في أصول المنهج؛ فهو مذموم بلا نزاع، لأن أصول المنهج بنيت على أصول الشريعة وبنيت على قطعيات الأدلة، فمن تغير في أصول منهجه فهو كمن تغيرت قناعته في قطعيات الأدلة، وهذا ليس لازماً بالطبع، ولكنه هكذا يفهم ابتداءً، وليس بالضرورة أننا نقول؛ أنه ينطبق عليك ما زعمنا، ولكن هذه وجهة نظرنا من ناحية التغير، ولا نريد أن نمثل لك خشية أن تفهم منا خلاف ما أردنا، ولكن أنت أعلم منا وأقدر على تحديد أصول المنهج الثابتة وفروعه المتغيرة.
شيخنا الفاضل ...
إننا نربأ بك أن تكون من الذين تنازلوا عن الفاضل إلى المفضول، فضلاً أن نظن بك أنك تنازلت عنه إلى المكروه أو إلى المجانب للرشاد، فكن على بصيرة وراجع كل ما عندك من طروحات، وأعد تأملك كثيراً بواقع الأمة وواقع الدعوة عندنا، وراجع ما كنت تطرحه في محاضراتك"سلطان العلماء"،"هشيم الصحافة الكويتية"،"لسنا أغبياء"،"حتمية المواجهة"، وغيرها من الطروحات، وليكن همك الأول رضى الله سبحانه وتعالى، وألا تحدث في أتباعك من الشباب بلبلة بأقوال تناقض ما كنت تنادي به قبل السجن.
وأخيراً:
اعلم أننا لم نعط هذه الكتابة حقها من التمحيص والمراجعة ولا انتقاء العبارات، فقد استعجلنا إخراجها وإطلاعكم عليها بعدما سمعنا الخبر الذي نبارك لأنفسنا به قبل أن نبارك لك، واعلم أنه ما جرأنا عليكم بهذه الصفحات إلا حبنا لكم، وعلمناً بسعة بالكم وحلمكم على أمثالنا، فعذراً عذراً كل العذر إذا جاءك منا ما يعكر صفوك أو يخدش إحساسك، فشدة من جاهل تنفع، خير من نفاق محب يضر، ولو لم يحصل من هذه الرسالة لك إلا أنك عرفت الوجه الآخر لطائفة من الناس تتناقل ما أوردناه من أقوال لكان فيها خيراً، وأنتم أولى الناس بالخير.
نقول قولنا هذا.
والحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين