الصفحة 144 من 155

وبعدما قرأ سلمان الرسالة السابقة، بدلاً من شكر الكاتب، غضب عليه واتهمه بأنه هو الذي نشر الشائعات عنه، وأنه هو الذي ينشر عنه بأنه يبيح سماع الأغاني.

فرد عليه الأخ بتاريخ 4/ 6/1421هـ بهذه الرسالة، يبين فيها مقصده من الرسالة الأولى وبراءته مما اتهمه سلمان به ...

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

شيخنا الفاضل ...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد:

كم كنت أخشى أن تفهم رسالتي السابقة خلاف مقصدي، لذا حرصت أن ألتقي بك لتوضيح مقصدي، وحينما عجزت عن لقياكم كتبت لك هذه الرسالة، راجياً من الله أن تسعفني العبارات لأوضح لك بعض مقصدي من رسالتي السابقة.

شيخنا الفاضل ...

قبل أن أسوق لك أعذاري يحسن بي أن أقدم بين يديها قاعدة مهمة تمثلتها في رسالتي، وهذه القاعدة - رغم الفارق في التشبيه - هي أن الطبيب إذا أراد الكشف على المريض فإنه يضغط بقوة على جسده وليس قصده أن يؤلم المريض، إنما هدفه التأكد من موضع الألم ليشخص المرض، وإن كان ثمة جرح بالمريض فإن الطبيب يحكم الضغط على الجرح رغم تعالي صرخات الجريح، ولكن الطبيب يزيد في الضغط ليوقف النزيف لمصلحة الجريح.

ومع فارق التشبيه - كما أسلفت - فليس هناك مريض ولست بطبيب، وإن كان العكس ينطبق، ولكني سقت هذا المثل لأبين أن المقاصد أحياناً تشفع لبعض الأفعال التي ظاهرها السوء، فما كل فعل يحاسب عليه صاحبه بمجرد ظاهره، فلو عرفت مقصدي لزال الإشكال عندك ولعذرتني.

وأدلل على هذه القاعدة؛ بقصة موسى عليه السلام، وهي لا تخفى عليك، فإن موسى عليه السلام اشتد إنكاره على صاحبه بسبب أفعاله، وعندما صبر وعرف مقصد صاحبه والحكمة من أفعاله؛ زال الإشكال عند موسى عليه السلام ولم يعقب بعدها ورضي بما قضاه الله.

وكذلك سعد، ولو أن غير سعد لم يأذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالدخول وأسر برد السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم تكراره عليه ثلاثاً، لقيل هذا تنقص لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحبس له عند بابه بغير حق، فلما وضّح سعد مقصده بإسرار رد السلام وعدم الإذن له مباشرة، لم يثرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل عدها العلماء في فضائل سعد.

فما أجمل مثل هذه المقاصد التي تحيل الأمر من مذموم في الظاهر إلى ممدوح، ولعل لي نصيباً من مثل هذه المقاصد التي لأجلها يمدح فعلي، وإن كان ظاهره الذم.

شيخي الكريم ...

أولاً وقبل كل شيء؛ لا بد أن تعلم أن دافعي من هذه الرسالة هو محض المحبة والنصح، ووالله إني لا أبتغي بها عرضاً ولا مدحاً، وما دفعني لكتابتها إلا لمنزلتك عندي، ولو أقسمت لم أكن حانثاً؛ أنه لا يوجد محب ومشفق وناصح لك في طلابك مثلي، فإذا عرفت منشأ رسالتي هان ما بعدها، والله الموفق.

شيخي الكريم ...

لقد حز في نفسي ما نُقل عنك - وقد ذكرته لك - وأرجو أن تعلم أني لم أنقل لك تلك الأقوال في رسالتي من باب التصديق والإقرار وإن بدى أسلوبي موحياً بذلك، ولكن مما زاد حزني أني سمعت هذه النقول وكتبتها لك نقلاً عن بعض محبيكم من المشايخ وطلبة العلم، ومما زاد الطين بلة؛ أن نقدهم لك لم يقف عند الإسرار، ولكن عن طريقهم انتشر الأمر وكثر النقاد بغير حق، وبعد تتبعي وسؤالي لبعضهم؛ هل أسديتم ما سمعتم عن الشيخ له؟ فكان الجواب بالنفي طبعاً، إلا قليلاً منهم.

فدعاني ذلك الواقع لجمع ما سمعته منهم جميعاً من نقولات أو نقد، وصغته أحياناً بعباراتهم ودفعته إليك، وما كان قصدي بمثل ذلك إغارة صدرك أو تكدير صفوك، بقدر ما كان مقصدي أن تعلم ما يقال عنك من خلفك، فتبادر إلى اتخاذ ما يناسب هذا الموقف، لدفع مثل هذه الشبه والنقولات ببيان عباراتك وصريح ألفاظك، فتحرر في كل مسألة ما يناسبها من جواب تخرس به ألسنة من حمّلوا كلامك ما لا يحتمل أو نقلوا أقوالك مبتورة.

وربما تسأل وتقول؛ لماذا لم تطلب مني هذا الطلب صريحاً؟ فأقول؛ لو أني طلبت منك طلباً مجرداً لتحرر القول في بعض المواضيع التي كتبتها لك وتبين فيها رأيك لما تحفزت لذلك، ولكن حينما تعلم أن هذه الآراء والنقول تنسب إليك من خلفك، وبعبارات جازمة، فإنك ستشمر عن ساعديك لنفي ما نقل عنك وتطلق العنان للسان لينفي عنك ما رميت به من الزور والبهتان، فكان ذلك مقصدي لتحفيزك ونقل صورة من الواقع لك.

ولقد كان عندي إحساس؛ أن مثل هذه الرسالة ستحدث في نفسك ألماً، ولذلك فقد استشرت أكثر من أحد عشر شيخاً عن إيصالها إليك، وكل من قرأها أو عرف محتواها أيد إيصالها، وقال؛ إن كان ما جاء فيها حقاً فهو أولى الناس بأخذ الحق، وإن كان ما جاء فيها باطلاً فهو أقدر الناس على دفع الباطل عن نفسه، ولم يعارض إيصالها لك من هؤلاء الأحد عشر إلا شيخ واحد، فقد قال لي: (إنها ستغير صدره وتحمّله هماً هو في غنى عنه، فلو أنك ناقشته شفوياً لكان أفضل، رغم علمي التام أن ما قيل عنه إما افتراء أو فهم سقيم من بعض الرواة) ، ولم أكن أختلف مع الشيخ في رأيه عن النقولات، ولكن كان رأي مع غيره في أنك لا بد أن تعرف ما يدور عنك من خلفك، فأردت توصيف الواقع لك لتبني عليه موقفاً يناسبه.

ولولا خشيتي أن يكون عزو النقول إلى من قالها لي من المشايخ وطلبة العلم نميمة وسعي في إفساد ذات البين، لنقلت لك أمام كل نقل من قاله منهم، لتعلم أن ما ذكرته لك من نقول لم يكن من جعبتي.

لذا وبما أني لم أصدر تلك النقول عنك ولم ابتدعها، وإنما نقلتها لك على حسب ورودها في الواقع، فلماذا اللوم يقع علي، فأحسب أني محسن بإطلاعك على مثل ذلك الذي جرى، وإن أخذت علي أني ربما بالغت، فوالله ما بالغت بالعرض ولا بالنقل وما ذكرت لك إلا ما سمعت ورأيت.

أما ما نقل لك عني؛ بأني أنسب إليك القول بأنك تحل الأغاني:

فهذا كذب ولم أقل مثل ذلك لأحد أبداً، ومن يُدعى"ماجد"الذي نسب لي مثل هذا الكلام، لا أعرفه مسبقاً ولم يسبق لي أن جلست معه في مجلس حتى أنقل له مثل ذلك، ولقد تتبعت الخبر منه واتصلت عليه في هذا اليوم، فقال: (أني لم أنقل للشيخ عنك مباشرة، بل قلت سمعتها من شخص ينقل عنك) ، وعندما اتصلت على الواسطة الذي بيني وبينه قال: (لم أقل ذلك عنك) ، وبعد إلحاح عليهما قالا لي: (اعتذر لنا من الشيخ) .

وتعلم - يا فضيلة شيخنا - لو أني سمعت مثل هذا الكلام عنك من أحد يعتد بقوله لنقلته لك في رسالتي السابقة كما نقلت لك ما هو أشد منه مما قيل عنك، وإني أقسم بالله العظيم أني لم أنقل عنك أنك تبيح الغناء لا لـ"ماجد"ولا لغيره، والله على ما أقول شهيد.

أما الفتاوى التي نسبت إليك وكتبتها لك في الرسالة الأولى:

فإني لا أستجيز نقلها لأحد عنك، وما نقلتها لأحد إلا مستشيراً، وسبق قولي؛ بأن عددهم إحدى عشر شخصاً تقريباً، وإن جرى كلام في مجلس من المجالس عن مثل هذه الفتاوى المنسوبة لك، فإني أبين أنها تنقل ولا تثبت، وما أعرف عنك نفيه منها، أوردت نفيه في كل مجلس جلسته.

أما أن أتهم؛ بأني أنا الذي نشرت مثل هذه الفتاوى عنك:

فأقول؛ سبحانك هذا بهتان عظيم، فمثل هذه الفتاوى بلغت الآفاق وترددت في كل نادي قبل أن أعلم عنها أو أنطق بها أو أكتب شيئاً منها.

وختاماً - يا فضيلة شيخنا:

فإن عباراتي نفدت واللسان كل ولا أدري ما أقول، رغم أني لم أنته من اعتذاري وتبريري لموقفي، ولكن ربما إذا التقيت بكم فلعل الله يلهمني ما أقنعكم به.

وجزاكم الله خيراً.

هذا هو قولي والله ولي التوفيق.

والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

قاله محبكم؛ يوسف بن صالح العييري

4/ 6/1421 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت