عرفنا مدخل عن الجيوش النظامية فنتعرف على مدخل على حرب العصابات، فالعلوم العسكرية اختُلِفَ هل هي علم أم معرفة، يعني تؤخذ بالتجربة أم هي علم تُدرَس أم هو علم الحرب والعلوم العسكرية تُدرَس فتُعرَف، فالصحيح أنها علم ولا يمكن لرجل من خلال التجربة فقط أن يبلغ منزلة الرجل الذي درس وجرَّب، فالعلوم العسكرية بدأت منذ القِدَم من قبل الإسلام والأفكار العسكرية والخطط الحربية تتطور كلما تطور الصراع بين الأمم أو بين الشعوب أو بين الأفراد تجد أنه يتطور باستمرار.
حرب العصابات لما بدأت، طبعًا بدأت بأساليب، مثلًا عام 1800 كان القائد العسكري البروسي كلاوزفتز ( Carl von Clausewitz) هو أول من اهتم بتدوين العلوم العسكرية والخطط العسكرية والتكتيكات والاستراتيجيات، وبالمناسبة لما أقول تكتيك - تكتيكات واستراتيجيات - فالاستراتيجيات هي الخطط الثابتة أو الأساليب الثابتة أو الأشياء المهمة التي لا يمكن أن يتنازل عنها الشخص، فشيء ثابت هذا يسمى استراتيجي والمُتغيِّر أو الذي يمكن التنازل عنه أو يتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان والعدد والتسليح هذا يُسمّى تكتيك، فهناك للحروب استراتيجيات تتفق فيها جميع أشكال الحروب، وهناك تكتيكات تتغيَّر حسب تغيُّر الزمان والمكان والعدو والتسليح والواقع والجو؛ تتغيَّر على حسب الظروف المحيطة بها، هذه مثلًا كالقواعد الأصولية لدى الأصوليين لا تتغيَّر أبدًا هي قاعدة أصولية الأمر يقتضي الوجوب هذه القاعدة لا يمكن أن تتغيَّر والمسائل الفقهية تتغيَّر مسألة عن مسألة و حكم عن حكم؛ هذا يحرم عليه أن يحلق لحيته وهذا يجب عليه أن يحلق لحيته لأن هذا يواجه ظروفًا قد تؤدّي بحياته أو تعرضه للاعتقال فوجب عليه أن يحلق لحيته، والآخر آمنًا مطمئنًا يجب عليه أن يُرخي لحيته، فهذه مسائل فقهية تتغيَّر بتغيُّر الظروف، تمامًا كالمسائل أو كالخطط أو كالتكتيكات العسكرية، فانظر إلى الظرف فتحاول أن تواجه هذا الظرف فيما يناسبه هذا يُسمّى تكتيك، الاستراتيجيات الأمور ثابتة تمامًا لا تتغيَّر.
نعود ونقول أول من بدأ يدون - طبعًا دُوّنت الحروب قديمًا وحديثًا - ولكن أول من بدأ يدونها كعِلم ويحاول أن يكون أكاديمية وعِلم وكذا هو كلاوزفتز ( Carl von Clausewitz) لما بدأ يدون هذه الحروب وله كتب والآن تُباع مثل: «الوجيز في الحرب» و «فن الحرب» وكتب كثيرة موجودة حتى في المكتبات، تجدونها عندنا في المكتبات، لكن كلها تتكلم عن استراتيجيات الجيوش النظامية وفلسفات حربية، ربما لا يحتاجها رجل العصابات ولكن يقرأها للاطلاع على قوات العدو، لكنها هي عبارة عن استراتيجيات وأساليب وقد قرأت منها ووجدت أن كثيرًا منها يتحدث عن أساليب عمل بها النبي ? وعمل بها خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأبو عبيدة - رضي الله عنهم - في فتوحاتهم للشام ومصر والعراق، فتجد أن الأساليب التي يتكلم عنها هو لا يعلم أنها موجودة لدى الأولين أو ربما يعلم كما هو الحال الآن في الكلية العسكرية في ألمانيا؛ تُدرِّس خطط خالد بن الوليد في الحرب، فقد يعلمون أو لا يعلمون الله أعلم، لكن عمومًا لدى المسلمين كنز عسكري لو استطاعوا أن يستخرجوا خطط النبي ?، تحركات النبي ?، أساليبه في الحرب، تقسيماته ... كل هذه بإمكان الرجل العسكري أن يُفرّع عليها أمورًا كثيرة جدًا ... وأضرب مثلًا عندما تريد أن تتكلم عن اختيار المكان المناسب للمقاتل بشتى الأساليب تجد أن النبي ? - تجلى ذلك في معركة أُحُد - فهو في معركة أُحُد لما خرج كان يريد أن يخرج لماذا؟ يريد أن يخرج دفاعًا عن المدينة، فلما جاء إلى ميدان المعركة جعل العدو بينه وبين المدينة، فعندما تنظر إلى هذا، أنت تريد أن تدافع عن المدينة وتجعل العدو بينك وبين المدينة؛ النبي ? كان جبل أُحُد بالنسبة إليه أهم من المدينة، ليجعل ظهره إلى جبل أُحُد أهم من أن يجعل ظهره للمدينة ويدافع عن المدينة، لأن النبي ? يعلم أنّ طبيعة البشر لا يمكن أبدًا أن يأتي جيش قريش ويترك النبي خلف ظهره ويتوجه إلى المدينة لا يمكن أبدًا، لا يمكن أن يُفكّر العدو بهذا، فهي الطبيعة والفطرة عند الناس، أنا أترك عدوي خلف ظهري و أتوجه إلى المدينة؟ ما يمكن بينه وبين المدينة مسافة يلحق به، فالنبي ? جعل ظهره لجبل أحد و المدينة أمامه، جاء العدو بينه وبين المدينة، صعد النبي ? على أهم موقع «جبل الرماة» صعد عليه وقال لعشرةٍ من الصحابة:"لا تبرحوا مكانكم ولو رأيتم الطير تتخطفنا."
هذا أسلوب من أساليب النبي ? يؤكد لك أن الخطط العسكرية كانت لدى المسلمين، كانت لدى النبي ? ولدى الصحابة؛ فالصحابة - رضوان الله عليهم - لما فتحوا الأمصار كلها هل فتحوها بهمجية؟