حافظ الشرع الإسلامي على العقل من الانحرافات الفكرية والعقائدية منذ بداية نزوله، بدءًا من حراسة السماء من الجن والشياطين بالشهب عند نزول الوحي لهداية البشر، إضافة إلى حفظ العقول بالوحي نفسه. وفي هذا المعنى قوله تعالى حكاية عن الجن: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا* وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا* وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) [1] .
وهذا يعني أن الجن كان لهم دور كبير في إفساد العقول قبل الإسلام، بسبب ما كانوا يحصلون عليه من استراق السمع من السماء، حيث كان الجني يقذف الكلمة الواحدة من الصدق في أذن وليه من الكهان ويزيد فيها مائة كذبة فيصدقه الناس.
وفي هذا المعنى ما رواه الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"قلت يا رسول الله إن الكهان كانوا يحدثوننا بالشيء فنجده حقا، قال:"تلك الكلمة الحق يخطَفُهَا الجني فيَقْذِفُهَا في أُذُنِ وليه ويزيد فيها مائة كذبة" [2] ."
وقد حكى ابن حجر عن الخطابي أنه قال:".. وكانت الكهانة في الجاهلية فاشية خصوصًا في العرب لانقطاع النبوة فيهم وهي على أصناف، منها: ما يتلقونه من الجن، فإن الجن كانوا يصعدون إلى جهة السماء فيركب بعضهم بعضًا إلى أن يدنو الأعلى بحيث يسمع الكلام فيلقيه إلى الذي يليه إلى أن يتلقاه من يلقيه في أذن الكاهن فيزيد فيه، فلما جاء الإسلام ونزل القرآن حرست السماء من الشياطين، وأرسلت عليهم الشهب .." [3] .
(1) الجن: الآية 8 - 10.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب السلام رقم 2228 ترقيم عبد الباقي، وأخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب رقم 5762 ترقيم فتح الباري. واللفظ لمسلم.
(3) ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني. فتح الباري، تحقيق الشيخ عبد العزيز بن باز وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1410/ 1989، كتاب الطب، باب الكهانة، 10/ 266.