وحتى يظهر لنا وجه الحق والصواب من مصادره الأساسية.
الغلو في اللغة: مجاوزة الحد في الشيء. قال ابن فارس:"وغلا الرجل في الأمر غلوًا إذا جاوز حده" [1] . وقال ابن منظور:"وغلا في الدِّين والأَمْرِ يَغْلُو غُلُوًّا: جاوَزَ حَدَّهُ" [2] .
والغلو في الاصطلاح: لا يخرج معناه عن المعنى اللغوي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"الغلو: مجاوزة الحد بأنْ يزاد في الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك" [3] . وعرّفه الحافظ ابن حجر بأنه:"المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد" [4] . وقال القرطبي:"قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) نهيٌ عن الغلو، والغلو التجاوز في الحد" [5] .
ويتضح من تعريفات العلماء بأنّ الغلو في ميزان الشرع هو مجاوزة الحد في الأمر المشروع، وذلك بالزيادة فيه أو المبالغة إلى الحد الذي يخرجه عن الوصف الذي أراده الشارع الحكيم. أو"هو تعدي ما أمر الله به، وهو الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله: (وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي) [طه: 81] [6] ."
وقريب منه التنطع، وهو التشدد والتكلف المؤدي إلى الخروج على السنة المنهي عنه [7] . وذلك لأنّ الحقَّ وسطٌ بين الإفراط والتفريط [8] .
والغلو في الدين آفة قديمة، ابتليت بها الأمم من قبلنا، كما بليت بها هذه الأمة منذ فجر الإسلام. وقد ورد النهي صريحًا في القرآن والسنة عن الغلو والتنطع، فقال سبحانه: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ
(1) أحمد بن فارس: معجم مقاييس اللغة، تحقيق وضبط: عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط 3، 1981 م، باب العين واللام من كتاب الغين، ج 4، ص 387، 388.
(2) ابن منظور، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، مادة (غلا) ، ج 15، ص 131، 132.
(3) ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم، تحقيق: د. ناصر العقل، مكتبة الرشد، ط 2، 1411 هـ 1/ 293.
(4) ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ومحب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، 1379 هـ، 13/ 278.
(5) القرطبي، محمد بن أحمد: تفسير القرطبي، تحقيق أحمد البردوني، دار الشعب، القاهرة، ط 2، 1372 هـ، 6/ 21.
(6) سليمان بن عبد الله آل الشيخ (ت 1233 هـ) : تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد، المكتب الإسلامي، دمشق، الطبعة السابعة، 1408 هـ، ص 305.
(7) الصنعاني، محمد بن إسماعيل الأمير (ت 852 هـ) : سبل السلام، تحقيق محمد عبد العزيز الخولي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 4، 1379 هـ، 3/ 110.
(8) وأما البدع: فهو جمع بدعة، وهي كل شيء ليس له مثال تقدم، فيشمل لغة ما يحمد ويذم، ويختص في عرف أهل الشرع بما يذم، وإن وردت في المحمود فعلى معناها اللغوي. (( ابن حجر العسقلاني: فتح الباري شرح صحيح البخاري، 13/ 278 ) ).