تَتَّبِعُوا أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا) [1] . وقال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) [2] .
ويعني بذلك فيما ذكره المفسرون غلو اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم، وغلو النصارى فيه حتى جعلوه ربَّا، فالإفراط والتقصير كله سيئة وكفر، ولذلك قال مطرف بن عبد الله: الحسنة بين سيئتين [3] .
والآيتان السابقتان وإن كانتا متعلقتين بأهل الكتاب، فإن المراد تحذير هذه الأمة عن الغلو لتجنب أسباب هلاك الأمم السابقة. أخرج البخاري بسنده عن ابن عباس أنه سمع عمر رضي الله عنه يقول على المنبر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله" [4] .
وأخرج ابن حبان في صحيحه من طريق أبي العالية قال:"حدثني ابن عباس قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة [5] وهو واقف على راحلته:"هات الْقُطْ لي"، فَلَقَطْتُ لَهُ حصيات، وهي حصى الخذف، فلما وضعتُهُنَّ في يده قال:"نعم بأمثال هؤلاء بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" [6] ."
وروى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هلك المتنطعون"قالها ثلاثًا [7] . قال الإمام النووي: هلك المتنطعون: أي المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم [8] .
ونلحظ أن هذا الحديث والذي قبله جعلا عاقبة الغلو والتنطع هي الهلاك،
(1) المائدة: الآية 77.
(2) النساء: الآية 171.
(3) القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد: تفسير القرطبي، مرجع سابق، 6/ 21.
(4) البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل (ت 256 هـ) : صحيح البخاري، تحقيق د. مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، واليمامة، بيروت، ط 3، 1407 هـ/1987 م، كتاب أحاديث الأنبياء، 3/ 1271.
(5) وفي سنن البيهقي،"غداة يوم النحر". (انظر البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي(ت 458 هـ) : سنن البيهقي الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكة المكرمة، مكتبة دار الباز، 1414 هـ/ 1994 م، 5/ 127.
(6) ابن حبان البستي، محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي (ت 354 هـ) : صحيح بن حبان، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 2، 1414 هـ/1993 م، 9/ 183. وأخرجه النسائي في سننه، كتاب مناسك الحج، باب التقاط الحصى، رقم الحديث 3057 ترقيم أبي غدة. وأخرج هذا الحديث أيضًا ابن ماجه وصححه ابن خزيمة والحاكم من طريق أبي العالية عن ابن عباس.
(7) كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، ج 4 ص 5055، رقم الحديث 2670 ترقيم عبد الباقي.
(8) شرح النووي لصحيح مسلم، كتاب: العلم - باب: النهي عن اتباع متشابه القرآن، ج 16 ص 220.