الحمد لله الذي كرَّم الإنسان بالعقل، والصلاة والسلام على رسول الله نبي الرحمة والتيسير والعدل، وعلى آله وصحبه أجمعين أهل العلم والفضل وعلى من تبعهم بإيمان وإحسان إلى يوم الفصل .. وبعد ..
إنّ العقل هو إحدى"الكليات الخمس"التي لا تكون الحياة في الأرض مستقرة ولا قائمة بدون حفظها، وهي: الدين والنفس والعقل والنسل والمال. فالعقل هو الذي استحق به الإنسان أن يكون خليفة في الأرض، وأن يُسخَّر له ما في السماوات والأرض والكون، وهو مناط الإدراك، إذ به يُفرَّق بين الفضيلة والرذيلة، وبه يُميَّز بين الخير والشر، وبين الطيِّب والخبيث، وهو محل التكاليف الشرعية، إذ قد أسقطها الشرع عمَّن فقده [1] .
ولما كان العقل بهذه الأهمية، فقد حافظ الشرع الإسلامي عليه، وصانه من كل ما يفسده معنويًا، فشرع له من الأحكام ما يحفظه ويصونه من كلّ ما من شأنه أن يؤثر عليه ويضر به، أو يحد من طاقته: كالسحر والكهانة والشعوذة والأوهام وغيرها من أساليب الدجل والخرافة، أو المصادر والمناهج التي تفسد العقل البشري معنويًا، وتغذيه بالغلو والتطرف، أو بالأفكار والعقائد المنحرفة الفاسدة.
كما حافظ عليه وصانه من كل ما يفسده ماديًا، فَسَنَّ من التشريعات ما يضمن سلامة العقل وحيويته، ومنع الإنسان من تعاطي أي شيء من الماديات التي تفسد العقل، أو تبدد إدراكه، أو تعطل فيه قدرة التمييز، أو تتلفه، أو تحدّ من القدرات والوظائف العقلية، كالخمر وما يلحق به من مخدرات متنوعة، تندرج جميعها تحت الخبائث التي حرمها الله بقوله: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ
(1) الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد (ت 505 هـ) : شفاء الغليل، تحقيق الدكتور حمد عبيد الكبيسي، رسالة دكتوراه بكلية الشريعة بالأزهر، ص 103، والغزالي، أبو حامد: إحياء علوم الدين، طبعة محمد علي صبيح 1/ 13.