الصفحة 38 من 90

ومتأثر به، ولهذا كانت العناية بتقويم الفكر وتصحيح الاعتقاد هي أول نقطة في أي برنامج من برامج الإصلاح التي جاء بها الأنبياء عليهم السلام. ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" [1] . والقلب هو أحد معاني العقل، ومن أدلة ذلك قول الخالق سبحانه: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [2] .

وهذه المشكلة عائدة إلى أسباب سائقةٍ إليها، وممهدةٍ لمظاهرها، وهذه الأسباب تختلف باعتبارات متعددة؛ فمن هذه الأسباب ما يعود إلى جوانب علمية، مثل الجهل بشريعة الإسلام، والجهل بمقاصدها، ومنها: ما يعود إلى جوانب متعلقة بالمنهج العلمي، مثل التأويل والتحريف، وعدم الجمع بين الأدلة، ومنها: ما يعود إلى جوانب متعلقة بالمنهج العملي، مثل الاستعجال، وعدم تقدير ظروف الناس وأعذارهم، ومنها: ما يعود إلى جوانب تربوية، مثل ضعف الصبر واليأس، ومنها: ما يعود إلى جوانب نفسية، مثل الاضطرابات الانفعالية، ومنها: ما هو غير متعلق بالفرد، وإنما هو نتاج أزمات ومشكلات اجتماعية، أو سبب متعلق بأمر عالمي، مثل تآمر بعض الدوائر الاستعمارية والصهيونية على المجتمع الإسلامي عالميًا [3] .

ولا يتسع البحث لبيان وتفصيل هذه الأسباب وعلاجها، وإنما المراد هنا الإشارة إلى موقف الإسلام من الغلو والتطرف والانحرافات الفكرية والعقائدية.

ويجدر التنبيه هنا: إلى أن الغلو والتطرف ليس مقتصرًا على بعض من ينتسب لهذا الدين [4] ، بل إنه موجود في أتباع الديانات والفرق والمذاهب

(1) أخرجه البخاري في صحيحه عن النعمان بن بشير، كتاب الحيض، رقم 318 ترقيم فتح الباري.

(2) الحج: الآية 46.

(3) أحمد شوقي الفنجري: الإرهاب والتطرف، القاهرة، ص 64.

(4) قلنا هنا: أن الغلو ليس مقتصرًا على"بعض من ينتسب لهذا الدين"، ولم نقل:"ليس مقتصرًا على الدين"، لأن"الدين الإسلامي"من الغلو والتطرف براء، فهو دين الوسطية والسماحة والتيسير والرحمة للعالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت