وفي هذا المقام نذكر قصة الرجل الذي عرض للرشيد الخليفة العباسي وهو يطوف بالبيت، فقال يا أمير المؤمنين إني أريد أن أكلمك -أي في الدعوة والموعظة- بكلام فيه غلظة، فقال له الرشيد -وكان على علم وفقه-"لا، ولا نعمت عين، قد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، فأمره أن يقول له قولًا لينًا" [1] . فخصمه وحجه فأفحمه!!. نعم بعث الله موسى وهارون عليهما السلام، وهما خير من هذا الواعظ، إلى فرعون وهو شر من الخليفة هارون الرشيد، وقال لهما: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [2] .
ونبي الرحمة المهداة الرؤوف الرحيم، الذي بعثه الله رحمة للعالمين، يدعو إلى الرفق وينكر العنف في أحاديثه وسيرته ومنهجه في الحياة كلها، ولذلك نجد أن بعض الأحاديث النبوية تتحدث عن مصطلح العنف في سياق الدعوة إلى نبذه والتحذير منه ففي الحديث:"إن الله عز وجل لم يبعثني معنِّفًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا" [3] .
وروى البخاري بسنده أن عائشة رضي الله عنها -زوج النبي صلى الله عليه وسلم- قالت:"دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السام عليكم، قالت عائشة ففهمتُها، فقُلتُ: وعليكم السام واللعنة، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كلِّه"، فقلتُ: يا رسول الله، أولم تسمع ما قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قد قلتُ وعليكم" [4] ."
ومن الأحاديث في هذا الباب: ما رواه الطبراني بسنده عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله عز وجل ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق (وهو الجهل والحمق) ، وإذا أحب الله عبدًا أعطاه"
(1) ابن كثير، إسماعيل بن عمر الدمشقي (ت 774 هـ) : البداية والنهاية، مكتبة المعارف، بيروت، 10/ 217.
(2) طه: الآية 43.
(3) أخرجه أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله، رقم الحديث 14106 ترقيم إحياء التراث.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله، رقم الحديث 6024 ترقيم فتح الباري.